من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس الثامن- تقديمُ تعلُّمِ العلمِ على العملِ

الدرس الثامن
تقديمُ تعلُّمِ العلمِ على العملِ

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ المحدِّثُ الأصوليُّ الفقيهُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العبدريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى وهوَ في بيانِ أنَّ الاشتِغالَ بتعلُّمِ العلمِ الشرعيِّ يُقدَّمُ على كثيرٍ منَ الأمورِ الأخرى.
قال رحمهُ اللهُ تعالى رحمةً واسعةً:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وصحابَتِهِ الطيبينَ الطاهرينَ أما بعد،
فإن أكثرَ الناسِ مغرورُونَ. ما هوَ الضروريُّ يترُكُونَهُ ويعدِلونَ إلى غيرِ الضروريِّ. كثيرٌ منَ الناسِ يُكثِرونَ منَ الذهابِ إلى الحجِّ بعدَ حجةِ الإسلامِ ويزورونَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولا يتعلَّمونَ علمَ الدينِ الضروريَّ ويظُنُّونَ أنَّ أعمالَهُم صحيحةٌ مقبولةٌ وهُم غافِلونَ عنْ أنَّ شرطَ العملِ مُوافقةُ السُّنَّةِ أيْ شريعةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم الوضوءُ والصلاةُ والطهارةُ والحجُّ والذِّكرُ والدعاءُ كلٌّ شرْطُهُ أنْ يُوافِقَ شريعةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فإذا لـم يوافقُ ذلكَ لـم يقبلْهُ اللهُ تعالى وإذا لـم يتعلَّمِ الشخصُ فلا سبيلَ لهُ إلى معرفةِ ذلكَ. إذا لـم يَتَعَلَّمِ الشخصُ من أبيهِ أو مِنْ غيرِهِ يعيشُ مُنغَمِرًا في الغفلةِ فيعرِفُ بعدَ الـموتِ أنَّ أعمالَهُ التي كانَ يظُنُّها زادًا للآخرةِ هيَ لا شىء. قال الرسولُ عليه السلام: "كلُّ عمَلٍ ليسَ عليهِ أمرُنا - أي لا يوافقُ شريعَتَنا- فَهُوَ ردٌّ1" اهـ أيْ لا يقْبَلُهُ اللهُ. كيفَ يُعرَفُ أنَّ العملَ يُوافقُ الشرعَ أو لا يوافقُ إلا بالتعلمِ. لوْ كانَ أبوهُ أعلمَ عُلماءِ عصرِهِ ثـمَّ لـم يتعلمْ من أينَ يعرفُ ولو كانَ أبوهُ وليًّا وجَدُّهُ وليًّا مِنْ أينَ يعرفُ. ما أكثرَ المغرورينَ في الناسِ.
هذا الحديثُ ليَحْفَظْهُ كلُّ واحدٍ. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ عملٍ ليسَ عليهِ أمرُنا فهُوَ ردٌّ" اهـ إذا كانَ العملُ صريحًا في القرءانِ وفي الحديثِ ليسَ فيهِ خَفاءٌ فهذا أمرُهُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ ليسَ مذكورًا بعَينِهِ في القُرءانِ والحديثِ بلِ استَخرَجَهُ أئمةُ الاجتِهادِ الشافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ بنُ حنبلٍ ومَنْ قبلَهُم منَ الـمُجتَهدينَ منَ التابعينَ كالحسنِ البِصريّ وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ إنِ استخرجَهُ هؤلاءِ المجتهِدونَ بفَهمِهم منَ القرءانِ والحديثِ فهوَ مثلُ الذي ذُكِرَ في القرءانِ صريحًا أو في الحديثِ صريحًا.
ليسَ شرطًا أن يكونَ كلُّ شىءٍ منَ العباداتِ والحسناتِ مَنْصُوصًا عليهِ في القرءانِ والحديثِ. عمَلُ المولدِ ليسَ منصوصًا عليهِ والطريقةُ كذلكَ وأشياءُ عديدةٌ تُوافِقُ القرءانَ والحديثَ. ليسَ كلُّ عملِ خيرٍ بعَينِهِ ذكَرَهُ القرءانُ والحديثُ إنَّما ذكرَ القرءانُ والحديثُ القواعِدَ ثمَّ العُلماءُ الـمُجتَهِدونَ يستخرِجونَ مِنْ هذهِ القواعدِ أحكامًا.
هناكَ جماعةٌ يُقالُ لهم الوهابيةُ مُذَبْذَبونَ مرةً يأخذونَ بشىءٍ لـم يذكُرْهُ القُرءانُ ولا الرسولُ إنْ أعجَبَهُم وإنْ لـم يُعجِبْهُم يقولونَ ما فعلَهُ الرسولُ ولا أمرَ بهِ بعَينِهِ نحنُ لا نأخذُ بهِ. مُذَبذَبونَ. كثيرٌ منَ الأشياءِ الرسولُ ما ذكرَها في الحديثِ ولا ذكرَها القُرءانُ. هذهِ الـمحاريبُ الـمُجَوَّفةُ في المساجدِ ما كانت أيامَ الرسولِ بعدَ الرسولِ بنحوِ تسعينَ سنةً عمِلَها بعضُ العلماء.
والطريقةُ كذلكَ بعدَ خَـمسمائةِ سنةٍ عمِلَها الشيخُ أحمدُ الرفاعيُّ والشيخُ عبدُ القادرِ ثمَّ بعضُ مَنْ جاءَ بعدَهُما. وعِلمُ النحوِ ما كانَ يُدَرَّسُ أيامَ الرسولِ إنَّما بعدَهُ عليه السلامُ بعضُ العلماءِ وضعَهُ حتى يُستَعانَ بهِ على فَهْمِ القرءانِ والحديثِ وحتى لا يُحرَّفَ لفظُ حديثِ رسولِ اللهِ. لهذا علَّمَهُ العُلماءُ بعدَ الرسولِ. كلُّ هذا مقبولٌ. الشرطُ أن يوافقَ القرءانَ والحديثَ. أما ما لا يُوافِقُ القرءانَ والحديثَ فهوَ مردودٌ حتى الدُّعاءُ إذا لـم يوافِقِ الشرعَ فهوَ مردودٌ بلْ قدْ يكفُرُ بعضُ الناسِ ببعضِ أنواعِ الدُّعاءِ. واحدٌ في بلادِنا جاهِلٌ يتَشَبَّهُ بالصوفيةِ قالَ: اللهُ يَـجعَلُني فِداءً لأمةِ محمدٍ معناهُ يَـحُطُّني في جهنَّمَ ولا يحطُّ أحدًا غيري حتى لا يُعذَّبَ أحدٌ من أمةِ محمدٍ. هذا ضِدُّ القرءانِ والحديثِ. الرسولُ صلى الله عليه وسلم قال: "يـخرجُ قومٌ منَ النارِ بشفاعةِ محمدٍ2" اهـ قالَ قومٌ معناهُ عددٌ كثيرٌ من أمتي يدخُلونَ جهنَّمَ ثمَّ أُخْرِجُهُم بعدَ هذا. كيفَ يقولُ هذا الجاهلُ: اللهمَّ اجعلني فِداءً لأمةِ محمدٍ؟ كيفَ يقولُ؟
انتهى والله تعالى أعلمُ.
------------------

1- رواه البخاري في صحيحه باب النجش ومن قال لا يجوز ذلك البيع. (بلفظ من عمل عملاً).
2- رواه البخاري في صحيحه باب صفة الجنة والنار.