من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس السادس عشر- فضلُ التقوى والعِلْم

الدرس السادس عشر
فضلُ التقوى والعِلْم

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ الشيخُ نزارُ بن رشيد الحلبيُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى وهو في بيانِ فضلِ التقوى والعلمِ.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وأصحابِهِ أجمَعينَ أما بعد:
فقد قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الحُجُراتِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ﴾ هذهِ الآيةُ الكريمةُ تُبيِّنُ أنَّ الفضلَ عندَ اللهِ بالتقوى، والتقوى هيَ مُلازمةُ طاعةِ اللهِ تعالى بأداءِ الواجِباتِ واجتِنابِ الـمُحرَّماتِ. قال اللهُ تعالى في سورةِ ءال عِمران ﴿يا أيُّها الذينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنتُم مُسلِمُونَ﴾ فمَنْ أدَّى الواجباتِ واجتنبَ الـمُحرَّماتِ فهوَ التقيُّ. وهوَ مِنْ أكرَمِ عبادِ اللهِ على اللهِ. وقد كانَ سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم أكرَمَ الخلقِ على اللهِ تعالى وأتقاهُم وأخشاهُم لهُ كما قالَ صلى الله عليه وسلم: "أنا أعلَمُكُم باللهِ وأخشاكُم لهُ اهـ رواهُ البخاريُّ1. والتقوى مَنْبَعُها القلبُ ثمَّ يَفِيضُ أثرُها على الجوارحِ فإنَّ القلبَ مِنَ الجسدِ بمَثابةِ الملكِ مِنَ الرَّعيةِ. القلبُ أميرٌ على كلِّ الجوارحِ مِنَ اليَدَينِ والعَينَينِ واللسانِ والرِجلَينِ وغيرِها، كلُّها تحتَ إمْرَةِ القلبِ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَتِ الجوارحُ وإذا استقامَ القلبُ استقامَتِ الجوارحُ.
وقدْ جاءَ في صحيحِ ابنِ حبانَ مِنْ حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريّ رضيَ اللهُ عنهُما أنهُ قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أوْلَى الناسِ بِـيْ المُتَّقُونَ مَنْ كانوا وحيثُ كانُوا"2اهـ. فبَيَّنَ الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنَّ أقْرَبَ الناسِ إليهِ أيْ أحبَّهُم إليهِ هُمُ المُتَّقُونَ أي المؤمنونَ الذينَ يتَّقونَ اللهَ يُؤَدُّونَ الواجباتِ ويجْتَنِبونَ الـمُحرَّماتِ. "مَنْ كانوا" أي مِنْ أيّ ألوانِ البشرِ كانُوا، "وحيثُ كانوا" أيْ وفي أيِّ مكانٍ كانُوا فلو كانَ التقيُّ بعيدًا عنِ الرسولِ بالمسافةِ إلا أنهُ قريبٌ منهُ القربَ المعنويَّ فهوَ أوْلَى برسولِ اللهِ منَ العاصي المجاوِرِ لهُ صلى الله عليه وسلم. وقدْ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللهَ حيثُما كُنتَ" اهـ رواه الترمذيُّ3. فعلى الإنسانِ أينَما كانَ أنْ يتَّقِي اللهَ بأنْ يؤدّيَ ما افترضَ اللهُ عليهِ ويجتَنِبَ ما حرَّمَ اللهُ عليهِ فإذا فعلَ ذلكَ فهوَ بخيرٍ، وعُلُوُّ المرتبةِ عندَ اللهِ تعالى ليسَ بقُربِ الديارِ مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا بقُربِ النسَبِ إنَّما بِكَونِ الإنسانِ مُؤمِنًا تقيًّا يُؤدّي الواجباتِ ويجتنبُ المحرَّماتِ وبهذا يَضْمَنُ لنفسِهِ الوِقايةَ مِنْ نارِ جَهَنَّمَ قالَ اللهُ تعالى في سورةِ التحريمِ: ﴿يا أيُّها الذينَ ءامَنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهلِيكُم نارًا وَقُودُها الناسُ والحجارةُ﴾ ولا سبيلَ للمؤمنِ لأداءِ الواجباتِ واجتِنابِ الـمحرَّماتِ إلا بأداءِ فرضٍ هوَ مِنْ جُملةِ الواجباتِ التي أمرَ اللهُ تعالى بها أَلَا وهوَ تعلُّمُ العلمِ الشرعيِّ أي القدرِ الواجبِ الضروريِّ مِنْ علمِ الدينِ الذي لا يجوزُ لكُلِّ مُكلَّفٍ جَهْلُهُ ولا يكونُ العبدُ منَ المتقينَ ما لمْ يتعلَّمْهُ. إنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ ءامَنُوا قُوا أنْفُسَكُم وأهْلِيكُم نارًا﴾ فيهِ الحَثُّ على وِقايةِ النفسِ والأهلِ مِنَ النارِ والسبيلُ إلى ذلكَ أنْ نَتعلَّمَ ونُعَلِّمَ أهْلِينا الأمورَ الدِّينيَّةَ، فإذا تعلَّمَ المسلمُ مِنْ علمِ الدينِ القدْرَ الضروريَّ الذي لا بُدَّ منهُ لكلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ ثمَّ طَبَّقَ ذلكَ كانَ عامِلاً بهذهِ الآيةِ ويكونُ قدْ وَقَى نفسَهُ أيْ حَفِظَ نفسَهُ وأهلَهُ مِنْ عذابِ النارِ، أمَّا إذا أَهملَ التعلُّمَ فإنهُ لا يَدري ما يُصلِحُهُ مما يُفسِدُهُ فيقَعُ مِنْ حيثُ لا يدري في المهالِكِ ويعمَلُ أعمالاً يظُنُّ أنها مِنْ أعمالِ أهلِ النجاةِ وهوَ عندَ اللهِ تعالى ليسَ لهُ مِنْ ذلكَ العملِ حسنةٌ بلْ هوَ ءاثِمٌ لدُخُولِهِ في الأمورِ مِنْ غيرِ أنْ يعلمَ ما أحلَّ اللهُ منها مِمَّا حرَّمَ فمَنْ لم يتعلَّمْ أركانَ وشُرُوطَ ومُبطِلاتِ الصلاةِ مثلاً قد يحصُلُ منهُ ما يُفسِدُ صلاتَهُ مِنْ غيرِ أنْ يعلمَ فيظنُّ أنهُ صلَّى صلاةً صحيحةً وهيَ عندَ اللهِ فاسدةٌ لا تبرأُ ذِمَّتُهُ منها ويُسألُ عنها يومَ القيامةِ. وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:" صَلُّوا كما رأَيْتُمُوني أُصَلي اهـ رواهُ البخاريُّ4 ولا سبيلَ لمعرفةِ كيفَ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلي إلا بالتَّعَلُّمِ.
نحنُ المسلمينَ ينبغي أن نتمسَّكَ بهذا الدينِ العظيمِ الذي ارتَضاهُ اللهُ لنا بِما يعودُ علينا بالخيرِ والصلاحِ في الدنيا والآخرةِ وأنْ نتَفَقَّهَ ونتَزَوَّدَ منَ الأحكامِ الشرعيةِ حتى نُفِيدَ أنفُسَنا ونُفيدَ مُجتَمَعنا وأُمَّتَنا ونَكونَ على حذرٍ وانتِباهٍ وإدراكٍ.
لا دارَ للمَرءِ بعدَ الموتِ يَسكُنُها **** إلا التي كانَ قبلَ الموتِ يَبْنِيها
فإنْ بَناها بخيرٍ طابَ مَسكَنُـــــهُ **** وإنْ بناها بِشَرٍّ خابَ بانِيهَا5
إنَّ تعلُّمَ علمِ الدينِ مِنْ عالمٍ ثقةٍ ورِعٍ ناصٍحٍ لا يُؤَدِّي إلى البَلَهِ والجُنونِ إذْ لو كانَ الأمرُ كذلكَ لكانَ الصحابةُ أولَ مَنْ جُنَّ لأنَّهُم أفقَهُ أمَّةِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم بلْ إنَّ تعلُّمَ العلمِ الشرعيِّ يَصْقُلُ العقولَ ويُنوِّرُ القلوبَ وما أجدرَ الآباءَ والأمَّهاتِ أنْ يَحُثُّوا أولادَهُم على ذلكَ حتى يَشِبُّوا على طاعةِ اللهِ بدلَ أنْ يهتَمُّوا بدِراسَتِهِمُ الدُّنيويَّةِ فقط وما أَجدرَ الشبابَ أنْ يُقبِلوا على علُومِ الدينِ والنَّهلِ منها لِيَعْظُمَ زادُهُم للآخرةِ ولِيَبْتَعِدُوا عنْ وُحُولِ الخطايا. إنَّ عِزَّتَنا وكرامَتَنا وتقدُّمَنا ونَجاتَنا هيَ في تَمَسُّكِنا بدينِنا وتعاليمِ الرحمةِ الـمُنْزَلَةِ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جزاهُ اللهُ عنَّا أحسنَ الجزاءِ ورضيَ اللهُ عنْ سيدنا عُمَرَ حيثُ قالَ: "نحنُ قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلامِ فمَهْما ابْتَغَينا العِزَّةَ بغيرِهِ أذَلَّنا اللهُ".
انتهى واللهُ تعالى أعلم.
------------------

1- رواه البخاري في صحيحه باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع.
2- رواه ابن حبان في صحيحه باب الخوف والتقوى.
3- رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في معاشرة الناس.
4- رواه البخاري في صحيحه باب رحمة الناس والبهائم.
5- يروى عن علي رضي الله عنه.