من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس التاسع عشر- الهمُّ والعَزْمُ

الدرس التاسع عشر
الهمُّ والعَزْمُ

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ الفقيهُ المحدِّثُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العبدريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى في السابعِ والعشرينَ من صفر سنةَ سبعٍ وأربعمائةٍ وألف وهو في بيانِ الفَرْقِ بينَ الهمّ والعزم.
قال رحمه الله رحمةً واسعةً: الحمدُ للهِ رب العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وصحبِهِ الطيبينَ الطاهرينَ.
أما بعدُ، فقد قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الأنعام: ﴿مَن جاءَ بالحَسَنَةِ فلهُ عَشْرُ أمثالِها ومَنْ جاءِ بالسَّيِّئَةِ فلا يُجْزَى إلا مِثْلَها وهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما يَرويهِ عنِ اللهِ تباركَ وتعالى: " إذا هَمَّ عبدي بحسنةٍ فلم يعمَلْها فاكتُبوها لهُ حسنةً فإنْ عمِلَها فاكتُبوها لهُ عَشْرَ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ وإذا همَّ عبدي بسيّئةٍ فلا تكتُبُوها عليهِ فإنْ عمِلَها فاكتُبوها سيئةً فإنْ تابَ منها فامحُوها عنهُ اهـ رواهُ ابنُ حبانَ مِنْ حديثِ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ1".
الهمُّ هوَ ما دونَ التصميمِ إذا قالَ العبدُ في نفسهِ أفعلُ هذا الشىءَ أو لا أفعلُ تردَّدَ معَ ترجيحِ جانبِ الفِعلِ هذا هوَ الهمُّ وأمَّا التصميمُ هوَ الجَزْمُ. إذا الإنسانُ أرادَ أن يعملَ حسنةً ولمْ يُصَمِّمْ لكنْ رجَّحَ جانِبَ الفِعْلِ هذا الأمرُ يُكتبُ لهُ حسنةً واحِدةً قبلَ أن يعمَلَها، فإنْ عمِلَها كُتِبَتْ لهُ عشرُ حسناتٍ إلى سبعمائةِ ضِعفٍ أيْ يزيدُ اللهُ تباركَ وتعالى مَنْ شاءَ على العشرةِ إلى سبعمائةٍ، أمَّا السيِّئَةُ إذا لمْ يُصَمِّمْ لكنْ رجَّحَ جانِبَ الفِعلِ، مالَ إلى الفعلِ مِنْ غيرِ أن يُصمِّمَ تصميمًا فقَبْلَ أنْ يفعلَها لا تُكتَبُ عليه فإنْ فعلَها تُكتبُ عليهِ سيئةً واحدةً. اللهُ تعالى قالَ للملائكةِ فإنْ تابَ منها أيْ إنْ عمِلَها ثمَّ تابَ منها فامحُوها عنهُ، هذا مِنْ فضلِ اللهِ أنَّ المسلمَ إذا عمِلَ معاصيَ ثمَّ تابَ منها لا يجدُها في كتابِهِ يومَ القيامةِ لا يراها، لا يرى تلكَ التي تابَ منها في كتابهِ الذي يُعطاهُ يومَ القيامةِ إنَّما يرى السيئةَ التي ماتَ ولم يَتُبْ منها، يجدُ في كتابهِ السيئاتِ التي ماتَ ولم يتُبْ منها، أما التي تابَ منها مهما كانتْ كبيرةً لا يراها لأنهُ لو رءاها لساءَتْهُ.
ما تقدَّمَ مِنْ أنَّ الهمَّ بالسيئةِ لا يُكتبُ وأنَّ الهمَّ بالحسنةِ يُكتَبُ حسنةً واحدةً هذا في حالِ الهمّ إذا كانَ همًّا فقط ولمْ يكُنْ تصميمًا أمَّا إذا كانَ تصميمًا فالحسنةُ يكونُ ثوابُها أكبرَ، إذا صمَّمَ أنْ يعملَ عملاً مِنَ الطاعةِ ثمَّ لمْ يعمَلْها يكونُ أقوى ثوابًا مِمَّا إذا همَّ فقَط.
أما بالنسبةِ للسيئاتِ للمعاصي مَنْ صمَّمَ ولم يفعلْ تُكتَبُ عليهِ، أمَّا ما لم يُصَمِّمْ لكنْ مالَ إلى الفعلِ هذهِ لا تُكتَبُ عليهِ ما لمْ يَعْمَلْها، إذا رجَّحَ أنهُ يفعَلُها ما لم يعْمَلها لا تُكتبُ عليهِ فإنْ عمِلَها تُكتَبُ عليهِ السيئةُ سيئةً واحدةً أمَّا التصميمُ فيُكتَبُ على الإنسانِ. فإذا وصلَ إلى الجَزْمِ تُكتبُ عليهِ لكنْ أقلُّ مِمَّا إذا نفَّذَها، صمَّمَ على المعصيةِ ثمَّ لم يفعلها كُتِبَتْ عليهِ لكنَّها ليسَتْ كما إذا نفَّذَها وعَمِلها بلْ يُكتَبُ عليهِ إثمٌ أقلُّ مِمَّا إذا عَمِلها، تكونُ معصيَتُها أقلَّ مِمَّا إذا عَمِلها لأنهُ وردَ في الحديثِ أنَّ الرجلَ الذي يتَمَنَّى أنهُ لو أُعْطِيَ منَ المالِ كذا وكذا فإنهُ يعملُ بهذا المالِ مثلَ ما يعملُ فلانٌ منَ الفُجَّارِ بمالِهِ منَ المعاصي فإنهُ يكونُ مثلَ ذاكَ عاصِيًا.
وقالَ بعضُ العُلماءِ المعصيةُ لو صمَّمَ لا تُكتَبُ عليهِ لو عزمَ فعِندَهُم كلمةُ مَنْ هَمَّ تشمَلُ العَزْمَ وما دُونَ العزمِ عندَهُم ما لم يعملْ بيدِهِ بجوارِحِهِ لا تُكتَبُ عليهِ وهؤلاءِ يتمَسَّكُونَ بحديثٍ صحيحِ الإسنادِ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما" إنَّ اللهَ تجاوَزَ لي عنْ أمَّتي ما حدَّثَتْ بهِ أنفُسُها2 ما لم يعمَلوا أو يتكلَّمُوا3 اهـ يعني أنَّ المسلمَ مِنْ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا همَّ أو عزمَ على معصيةٍ لا تُكتبُ عليهِ ما لمْ يعمَلْ بمثلِهِ، احتجُّوا بهذا الحديثِ هؤلاءِ الذينَ قالوا إنَّ الهَمَّ والعَزْمَ على المعصيةِ لا يُكتَبُ إلا إذا عمِلَها.
وأمَّا على الحديثِ المشهورِ الصحيحِ: "إذا تواجهَ المُسلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ4 اهـ كلٌّ منهُما عزمَ وتحرَّكَ حمَلَ السيفَ ومشى، إذا تواجهَ المسلمانِ بسَيفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ كلٌّ منهُما قصدَ أن يضرِبَ الآخرَ وحملَ السيفَ كِلاهُما والتَقَيا وقتلَ أحدُهُما الآخرَ فكِلاهُما يستَحِقَّانِ النارَ القاتلُ يستحقُّ النارَ والمقتولُ يستحقُّ النارَ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما قصدَ أن يضربَ أخاهُ ظُلمًا ولا يخلُدَانِ في النارِ إنَّـما معنى قولهِ عليه الصلاةُ والسلامُ "في النارِ" أنَّهُما يستحقانِ دخولَ النارِ. قيلَ هذا القاتلُ يا رسول الله فما بالُ المقتولِ قال" إنهُ كانَ حريصًا على قتلِ صاحِبِهِ "اهـ كانَ مُصَمِّمًا على أن يقتلَ الآخرَ، على حسبِ نيَّتِهِ كانَ قصدُهُ أن يقتلَ الآخرَ فكِلاهُما يستحقُّ النارَ لكنْ عذابُ القاتلِ أشدُّ بكثيرٍ، كِلا الرَّجُلَينِ قصدَ قتلَ أخيهِ المسلمِ ظُلمًا هذا ذهبَ وهوَ يحمِلُ السيفَ وهذا ذهبَ وهوَ يحملُ السيفَ وكلٌّ نِيَّتُهُ أنْ يقتُلَ صاحِبَهُ، أمَّا إذا كانَ أحدُهُما في مكانٍ ولم يذهبْ إلى أخيهِ إنَّما الآخرُ جاءَ ليَقتُلَهُ فدافعَ هذا عنْ نفسِهِ ما وجدَ مخلَصًا منهُ إلا بضَربِهِ دِفاعًا عن نفسِهِ فليسَ عليهِ ذنبٌ، لأنهُ ما قصدَ أن يقتُلَهُ ظلمًا، ما طلبَهُ ليقتُلَهُ ظُلمًا، جاءَ الآخرُ ليقتلَهُ أو جاءَ ليأخُذَ مالَهُ فدافعَ، حيثُ إنهُ لا يجدُ منهُ مَخْلَصًا إلا بالضربِ للدفاعِ عنْ نفسِهِ. أمَّا إذا كانَ أحدُهُما جاءَ ليأخُذَ مالَ المسلمِ وكانَ لوِ انتَبَهَ لهُ صاحبُ المالِ يهرُبُ فهوَ لا يريدُ أن يُقاتِلَ جاءَ ليأخذَ المالَ ثمَّ لما شعرَ بهِ صاحبُ المالِ هربَ فإذا صوَّبَ إليهِ رصاصًا فقتلهُ يكونُ هذا الذي قتلَهُ يستحقُّ النارَ، لأنَّ هذا اللصَّ ما قاتَلَهُ ليسَ مُتَسَلِّحًا إنما ظنَّ المكانَ خاليًا فدخلَ ليسرِقَ وهوَ لا يريدُ أن يُقاتِلَ فهربَ، لِمَ يقتُلُهُ، أليسَ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، لمَ يقتلهُ وقدْ أعرضَ عنْ مالهِ. أما إذا قالَ لهُ حُطَّ المالَ فقالَ لا أحُطُّهُ فأرادَ السارقُ أنْ يأخذَ المالَ منهُ بالقوةِ وكانَ لا يستطيعُ الدفعَ عن مالهِ إلا بالقتلِ عندئذٍ يجوزُ قتلُهُ، وإذا كانَ السارقُ مُصِرًّا على أن يذهبَ بهذا المالِ مهما اقتضى الأمرُ فخَنَقَهُ صاحبُ المالِ فقتلَهُ بالخَنْقِ لأنهُ مُصَمِّمٌ أنْ يذهبَ بهذا المالِ فليسَ عليهِ ذنبٌ طالما لا يجدُ طريقةً أخرى لـمَنْعِهِ منْ ذلكَ.
انتهى والله تعالى أعلم.
------------------

1- رواه ابن حبان في صحيحه باب ذكر تفضل الله جل وعلا بكتبه حسنة واحدة لمن همّ بسيئة فلم يعملها .
2- قال في فتح الباري في أكثر الروايات بالضم وللأصيليّ بالفتح اهـ.
3- رواه البخاري في صحيحه باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون ومسلم في صحيحه باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.
4- رواه البخاري في صحيحه باب ﴿وإن طائِفَتانِ منَ المؤمنينَ اقْتَتَلوا فأصْلِحوا بينَهُما﴾.