من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس الثالث عشر- الوضوء الموافقُ لطريقِ النبيّ والتحذيرُ مِن الوسوسة فيهِ وفي الصلاةِ

الدرس الثالث عشر
الوضوء الموافقُ لطريقِ النبيّ والتحذيرُ مِن الوسوسة فيهِ وفي الصلاةِ

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ الفقيهُ الأصوليُّ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العبدريُّ الهرريُّ رحمه الله تعالى وهو في بيانِ ثوابِ الوضوءِ الموافقِ لطريقِ النبيّ صلى الله عليه وسلم معَ الإخلاصِ للهِ تعالى والتحذيرِ من الوسوسة في الطهارةِ والتحرُّمِ.
قال رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً:
الحمدُ للهِ رب العالمين لهُ النعمةُ ولهُ الفضلُ وله الثناءُ الحسنُ وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله. صلواتُ اللهِ البَرِّ الرحيمِ والملائكةِ الـمُقرَّبينَ على أشرفِ المرسلينَ وخاتَمِ النبيينَ وشفيعِ المذنبينَ يومَ الدينِ وعلى جميعِ إخوانِه الأنبياءِ والمرسلين.
أما بعدُ، فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى تفضَّلَ على عبادِهِ المؤمنينَ بأنْ جعلَ حسناتِهم كفَّاراتٍ لسيّئاتِهِم. قال الله تعالى في سورةِ هود: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ ولـم يقل اللهُ تعالى إنَّ السيئاتِ يُذْهِبْنَ الحسناتِ وذلكَ لأنَّ رحمةَ اللهِ تعالى غَلَبَتْ غضبَهُ. رُوّينا في الصحيحِ صحيحِ البخاريّ وابنِ حبانَ: "إنَّ اللهَ تعالى لَما قضى الخلقَ كتبَ في كتابٍ فهوَ عندَهُ موضوعٌ فوقَ العرشِ إنَّ رحمَتي غلبَت غضبي1" اهـ أي أنَّ مظاهرَ الرحمةِ غلبَت مظاهِرَ الغضبِ، أما الرحمةُ بمعنى الصفةِ من صفاتِ اللهِ والغضبُ بمعنى الصفةِ من صفاتِ اللهِ فليسَ أحدُهُـما سابقًا والآخرُ مسبوقًا بل كلتاهُما أزليَّتانِ، لكنَّ الرحمةَ إذا أُطْلِقَتْ على مَظاهرِ الرحمةِ والغضبَ إذا أطلِقَ على مظاهرِ الغضبِ فالرحمةُ هيَ السابقةُ على الغضبِ وهيَ الغالبةُ على الغضبِ.
ومِن ءاثارِ ذلكَ كَونُ الحسناتِ تُضاعَفُ للمؤمنِ، فكُلُّ حسنةٍ يعمَلُها العبدُ مخلصًا للهِ تعالى في نيَّتِهِ لا يُشرِكُ فيها أحدًا غيرَ اللهِ أيْ لا يطلبُ بهذهِ الحسنةِ محمدةً منَ الناسِ ولا أنْ يَنظروا إليهِ بعَينِ الإجلالِ والإكرامِ وكانَت موافقةً لما جاءَ بهِ الرسولُ صلى الله عليه وسلم تكتبُ الحسنةُ بعَشَرةِ أمثالها وقد تُضاعَفُ إلى أكثرَ من ذلكَ. وأما السيئاتُ فالسيئةُ الواحدةُ تُكتَبُ سيئةً.
ثمَّ إنَّ الحسناتِ كثيرةٌ فالتسبيحةُ حسنةٌ أيْ قولُ سبحانَ اللهِ حسنةٌ، والتكبيرةُ أيْ قَولُ اللهُ أكبرُ حسنةٌ، وكلُّ عملِ برّ حسنةٌ، حتى قولُ المسلمِ للمسلمِ السلامُ عليكُم عندَ التلاقي حَسنةٌ. ثمَّ هذا مَن نوى بهِ وجهَ اللهِ تعالى تُكتَبُ لهُ الحسنةُ مِنْ هؤلاءِ بعَشَرةِ أمثالها وقد تُضاعَفُ إلى أكثرَ من عشرٍ.
ومِنْ فضلِ اللهِ تباركَ وتعالى بمُضاعفةِ الحسناتِ أنْ جعلَ اللهُ تبارك وتعالى الحسنةَ الواحدةَ تُذهِبُ عددًا منَ السيئاتِ. ومنَ الحسناتِ ما ترفَعُ عشرَ درجاتٍ لصاحِبِها وتمحو عشرَ سيئاتٍ لصاحِبها، وكلُّ هذا يا عبادَ اللهِ شرطُهُ أن يُوافقَ ما جاءَ بهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ شرعِهِ الشريفِ فأمّا ما كانَ صورَتُهُ صورةً حسنةً ولـم يوافِقْ ما جاءَ بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ صاحبَهُ ليسَ لهُ هذا الثوابُ لذلكَ قال عليه الصلاةُ والسلامُ: "مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ وصلَّى كما أُمِرَ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ2" اهـ. أيْ منَ الصغائرِ أيْ مهما كانَ لهُ صغائرُ لو كانت لهُ ءالافٌ مؤلَّفَةٌ بل ملايينُ متعددةٌ مَنْ فعل هذا انْـمَحَى عنهُ كلُّ ذلكَ.
الوضوءُ يا عبادَ اللهِ شرطُ القَبولِ فيهِ الإخلاصُ ومُوافقةُ هذا الوضوءِ الذي يتَوضَّأهُ المسلمُ وضوءَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وذلكَ مشروحٌ في كتبِ العلمِ.
ومنَ الأسبابِ التي تُحقِّقُ هذا الثوابَ أنْ لا يُسْرِفَ في الماءِ، فهؤلاءِ الذينَ يُسرِفونَ في الماءِ عندَ الوضوءِ أيْ يُسْرِفونَ في الماءِ المستعملِ في غسلِ الأعضاءِ ليسَ لهم هذا الثوابُ الموعودُ بهِ في الحديثِ الشريفِ. كذلكَ إذا زادَ في غسلِ الأعضاءِ عن ثلاثِ غسَلاتٍ للعضوِ فليسَ لهُ ذلكَ الثواب بل يُفَوِّتُ ذلكَ عليهِ كلَّ ثوابِ الوضوءِ أو أغلبَهُ فأنَّى تُمْحَى عنهُ صغائرُهُ وإنَّما تُمحَى الصغائرُ بالوضوءِ لمن أحسنَ الوضوءَ أيْ أتقنَهُ أيْ توضأَ وضوءًا مُوافقًا لِما جاءَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فمن أرادَ أنْ يكونَ وضوؤُهُ فيهِ هذا الفضلُ العظيمُ فَلْيُطَبّقُ وضوءهُ على ما ذكرهُ الفقهاءُ في كتبهم من حيثُ الأركانُ والشروطُ وترْكُ ما يُذْهِبُ الثوابَ أو يُقَلِّلُهُ كالكلامِ الذي لا خيرَ فيهِ في خلالِ وضوئِهِ.
ومنَ الشروطِ في حصولِ ذلكَ الثوابِ أنْ يكونَ هذا الماءُ الذي يتوضأ بهِ المسلمُ حلالًا يجوزُ لهُ التصرفُ فيهِ أما إذا لـم يكُن كذلكَ فليسَ لهُ فيهِ ثوابٌ بالمرةِ.
وأما قولهُ صلى الله عليه وسلم:" وصلَّى كما أُمِرَ " فالمعنى أنهُ يُشترطُ لنَيلِ هذا الفضلِ أن تكونَ الصلاةُ أيضًا كما أمرَ اللهُ أيْ بأنْ تكونَ الصلاةُ صحيحةً مجزِئةً مستوفيةً للشروطِ والأركانِ وخاليةً عنِ المكروهاتِ فإذا كانت كذلكَ تحقَّقَ للمُصلي هذا الفضلُ الـمُرتَّبُ على الوضوءِ الموافقِ لشرعِ اللهِ ومعَ الصلاةِ الموافقةِ لشرعِ اللهِ.
وأما التقليلُ منَ الماءِ فهوَ مرغوبٌ رغَّبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم فيهِ حيثُ إنهُ كانَ يتوضأُ بالمدّ والمدُّ هوَ مِلءُ الكفَّينِ، كانَ يكفيهِ لوضوئِهِ كُلِّهِ مِقدارُ ملءِ الكفين منَ الماءِ، لكنهُ كانَ يزيدُ في بعضِ الأحيانِ على ذلكَ القدرِ إلى ستةِ أمثالهِ أي إلى ستةِ أمدادٍ فما كانَ منَ الماءِ مقدارَ مدّ واحدٍ للوضوءِ وما زادَ على ذلكَ إلى ستةِ أمدادٍ فهوَ موافقٌ للسنةِ أي لعملِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
وأما ما زادَ على ذلكَ فيُنظَرُ إنْ كانَ في الزيادةِ على هذا القدرِ زيادةٌ فاحشةٌ كانَ ذلكَ الوضوءُ غيرَ مقبولٍ عندَ اللهِ لأنهُ حصلَ الإسرافُ وأما ما لـم تكنْ زيادتهُ فاحشةً فلا يصلُ إلى حدّ الكراهةِ فلا يُحرَمُ فاعلُهُ الثوابَ بالمرةِ لكنْ لوِ اقتصرَ على القدرِ المنقولِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أي المدّ الواحدِ الشرعيّ كانَ خيرًا أيْ أفضلَ فإنْ زادَ على ذلكَ إلى مُدَّينِ أو إلى ثلاثةِ أمدادٍ أو أربعةِ أمدادٍ أو خمسةٍ أو ستةٍ كانَ ذلكَ جائزًا لا بأسَ بهِ لا يُحرَمُ المتوضئُ بهِ منَ الثوابِ، لكنْ ذكرَ الفقهاءُ أنهُ يُستَحبُّ أنْ يكونَ ماءُ الوضوءِ مُدًّا مِن أجلِ ما رُويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحِ أنهُ كانَ يتوضأُ بمُدّ رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ وروى أيضًا أنهُ توضأَ بمكّوكٍ والمكُّوكُ هوَ على أحدِ التفاسيرِ ستةُ أمدادٍ وذلكَ حِكمةٌ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حيثُ توضَّأَ مرةً بقدرِ ستةِ أمدادٍ لأنَّ الإنسانَ في بعضِ حالاتِهِ يكونُ مُسرِعًا مُستعجلاً وفي بعضِ حالاتِهِ متأنِّيًا، وفي حالةِ الإسراعِ الشديدِ الشخصُ مِنّا لا يُسبِغُ وُضوءَهُ بالـمُدّ الواحدِ ولأنَّ أهلَ المِهَنِ والحِرَفِ يحتاجونَ في الوضوءِ منَ الماءِ ما لا يحتاجُهُ غيرُهم والرسولُ عليه الصلاة والسلام بعثَهُ اللهُ مُعلِّمًا للناسِ في فعْلِهِ وقولِهِ. هذا الحديثُ حديثٌ فِعليٌّ. أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأُ بمُدّ ويغتسلُ بأربعةِ أمدادٍ 3 ثمَّ هوَ أيضًا روى الروايةَ الثانيةَ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأُ بمكّوكٍ ويغتسلُ بخمسةِ مكاكيكَ4. كِلا الحَديثَينِ ثابتٌ صحيحٌ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديثُ حديثٌ فِعليٌّ لأنهُ لـم يُذكَرْ فيهِ قولٌ للرسولِ إنما أنسٌ الذي كانَ يُشاهِدُ وضوءَهُ وكثيرًا مِن أفعالهِ روى ذلكَ عنهُ صلى الله عليه وسلم ورضيَ اللهُ عن أنسٍ.
ومِـمَّا يَـحرِمُ الثوابَ المذكورَ في هذا الحديثِ الصحيحِ " مَنْ توضَّأ كما أمِرَ وصلَّى كما أمِرَ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ " اهـ الوسوسةُ التي تُؤدِّي بصاحِبِها إلى الإسرافِ في الماءِ. كثيرٌ منَ الناسِ يُسرِفونَ في الماءِ بسببِ الوسوسةِ. ذُكِرَ لي عن رجلٍ أنهُ كانَ في سفرٍ إلى تركيا فنزلَ بأوتيل أي فندق فكانَ يتوضأ ويُسرِفُ حتى كادَ بعضَ المراتِ أن يَنْفَدَ الماءُ الذي في الفندقِ مِنْ شدةِ إسرافِهِ، اللهُ تعالى يُعافينا من هذهِ الوسوسةِ، هذا حُرِمَ الثوابَ ووقعَ في المعصيةِ لأنَّ صاحبَ الفندقِ لا يرضَى أن يَستَنْفِدَ الماءَ الذي في الأوتيل، وقعَ في ذنبٍ كبيرٍ وحُرِمَ الثوابَ. وذكرَ بعضُ الفقهاءِ الشافعيينَ مِن أحوالِ الـمُوَسْوِسينَ أنَّ أحدَهم دخلَ النِّيلَ ليُسْقِطَ الـجَنَابةَ عن نفسهِ فظلَّ إلى غروبِ الشمسِ في النيلِ وقالَ: اليومَ ما صحَّ لي أعودُ غدًا قالَ ما صحَّ غُسلي اليومَ وهوَ في النيل.
والوسوسةُ في الصلاةِ أشدُّ فمنَ الناسِ مَن لا يكتفونَ بالتكبيرةِ الواحدةِ حتى يُكبِّروا بِضعَ تكبيراتٍ أو أكثرَ من عَشْرِ تكبيراتٍ إما شكًّا بصحةِ اللفظِ وإما شكًّا في اقتِرانِ النيةِ بهذهِ التكبيرةِ، هذا الشخصُ عليهِ أن يرحَمَ نفسَهُ فإما يَطرُدُ هذهِ الوسوسةَ بالمرَّةِ وإما أن يَعْدِلَ إلى مذهبِ الإمامِ مالكٍ. في مذهبِ الإمامِ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ بنِ حنبلٍ لا يُشتَرطُ أنْ ينويَ الرجلُ فعْلَ الصلاةِ التي يُصلّيها ضِمنَ التكبيرِ بل إذا نوى قبلَ التكبيرِ بمدةٍ يسيرةٍ صحَّ تكبيرُهُ صحّتْ نيَّتُهُ فلْيَعْدِلْ إلى هذا المذهبِ حتى يُرِيحَ نفسَهُ من هذا التعبِ الذي لا خيرَ فيهِ إلى أن يُنْهِكَ قُوَى جسمِهِ ويضيعَ وقتهُ وقدْ يشوّشُ على مَنْ حولَهُ، عندما يشعرُ مَنْ حولَهُ بـحالِهِ هذهِ يستاءُ منهُ فيَذْهَبُ عليهِ بعضُ صفْوِهِ هذا الإنسانُ الذي هوَ حولَهُ يَفقِدُ بعضَ صَفوِهِ. ومنهُم مَن تكونُ وسْوَسَتُهُ في حروفِ الفاتحةِ وهؤلاءِ أيضًا لو رَحِـموا أنفُسَهم بالأخذِ بمذهبِ مالكٍ كانَ خيرًا لهم. في مذهبِ مالكٍ المأمومُ إذا لـم يقرأِ الفاتحةَ ما عليهِ شىءٌ ليسَ واجِبًا على المأمومِ أن يقرأ الفاتحةَ بل قراءةُ الإمامِ تكفي أو يقرأُ بتحريكِ اللسانِ فقطْ من غيرِ أن يُسْمِعَ نفسَهُ، يُـحَرِّكُ لِسانَهُ من غيرِ أن يُسمِعَ نفسَهُ الحرفَ، يُـحَرِّكُ لسانَهُ في مواقعِ الحروفِ ويكتفِي بذلكَ من غيرِ أنْ يُسْمِعَ نفسَهُ حرفًا منَ الحروفِ لا سِينًا ولا صادًا ولا غيرَ ذلكَ، يُرِيحُ نفسَهُ ويعتبرُ ذلكَ قراءةً صحيحةً عندَ الإمامِ مالكٍ رضي الله عنهُ. وإنَّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعون.
انتهى والله أعلم.
------------------

1- صحيح البخاريّ باب وكانَ عرشه على الماء، ورواه ابن حبان في صحيحه باب ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق أراد به لما قضى خلقهم.
2- رواه النسائي في سننه باب ثواب من توضأ كما أمر.
3- رواه الدارقطني في سننه كتاب زكاة الفطر.
4- كما رواه النسائي في سننه.