من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس الحادي عشر- التواضعُ

الدرس الحادي عشر
التواضعُ

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ المحدثُ الزاهدُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العبدريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى في بيروتَ وهوَ في بيانِ فضلِ التواضعِ وفوائِدِهِ.
قال رحمهُ الله تعالى رحمةً واسعةً:
الحمدُ للهِ ربَّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ الأتـمَّانِ الأكمَلانِ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وصحبهِ الطيبينَ الطاهرينَ، أما بعد:
فقد قال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "إنَّكُم لَتَغْفَلونَ عنْ أفضلِ العبادةِ التواضُع1" اهـ حديثٌ حسنٌ.
ومعنى "عنْ أفضلِ العبادةِ" أيْ مِنْ أفضلِ العبادةِ وليسَ أفضَلَها على الإطلاقِ. التواضعُ يُؤَدِّي إلى كَسْبِ الـمَعالي والدرجاتِ العاليةِ والتواضُعُ يكونُ للمُؤمنِ معَ الكبيرِ والصغيرِ معَ الشريفِ والوَضيعِ. الأنبياءُ لولا تواضُعُهُم ما أرشَدُوا الناسَ. ثمَّ التواضُعُ لهُ جُزءٌ يَتبَعُهُ وهوَ الحِلمُ، التواضعُ والحِلمُ مَقرونانِ، قالَ بعضُ العلماءِ: الحِلمُ زَينُ العلمِ اهـ.
ومِمَّا يُروَى عن سيدِنا عيسى عليهِ السلامُ قولُهُ في صفةِ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: "عُلماءُ حُكماءُ حُلماءُ كأنَّهُم منَ الفقهِ أنبياءُ 2" اهـ معناهُ عُلماءُ أمةِ محمدٍ هذهِ صفَتُهم، ومِنْ كثرةِ ما يُرزَقُونَ مِنَ العلمِ كأنَّهُم أنبياءُ.
الحِلمُ جُزءٌ منَ التواضعِ فليَكُنْ عمَلُ كُلٍّ مِنَّا معَ أخيهِ على هذا البابِ بابِ التواضعِ والحِلمِ والإغضاءِ أيِ الـمُسامَحةِ على الإساءةِ، أيْ ينبغي أنْ يكونَ المؤمنونَ مُتعامِلينَ فيما بينَهُم على التغاضي والعَفوِ والسماحِ.
ومِنْ ءادابِ الإسلامِ تَوقيرُ الكبيرِ ورَحمةُ الصغيرِ. الكبيرُ في السنِّ ينبغي أن يُقدَّمَ في الـمجلسِ، وفي الكلامِ ينبغي أن يُنتَظرَ حتى يَبدأَ الكبيرُ في الكلامِ، إذا كانَ الكلامُ فيهِ مُشاورةٌ لا ينبغي أنْ يَسْبِقَهُ الصغارُ، ثمَّ إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى روى عنهُ رسولُ الله أنهُ قالَ:"حَقَّتْ مـحبَّتي للمُتحابِّينَ فيَّ وحقَّتْ محبَّتي للمُتناصِحينَ فيَّ وَحَقَّتْ مـحبَّتي للمُتَوَاصِلِيْنَ فيَّ وحقَّتْ مَـحبَّتي للمُتباذِلينَ فِـيَّ 3" اهـ ينبغي أن نتحلَّى بهذهِ الأوصافِ حتى نكونَ في الدارِ الآخرةِ على سُرُرٍ مُتقابِلينَ.
ومـما يتبعُ التواضعَ التطاوُعُ لأنَّ مَنِ التَزَمَ التواضعَ يَتطاوَعُ معَ إخوانِهِ فيَكثُرُ الخيرُ والنفعُ، مُعاذُ بنُ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ وأبو موسى الأشعريُّ رضيَ اللهُ عنهُ الرسولُ أرسَلَهُما إلى اليمنِ لنَشرِ الإسلامِ4 (2) فكانَ كلُّ واحدٍ منهُما يعملُ في جهةٍ، أحدُهما في الأراضي الـمُرتفعةِ والآخرُ في الأراضي المنخفضةِ ثمَّ بعدَ كلِّ وقتٍ يجتمِعانِ فيستفيدُ كلُّ واحدٍ منهُما برأيِ أخيهِ فعَظُمَ النفعُ منهُما كثيرًا وهذهِ ثَـمَرةُ التطاوعِ والتواضُعِ فينبغي أنْ يكونَ سَيرُنا على هذا المِنوالِ.
ومعنى التواصلِ أن يزورَ كلٌّ مِنَ الـمُتحابينَ في اللهِ أخاهُ أيْ لا يَقطَعُ عنهُ الزيارةَ لأنهُ بالتواصلِ تَظهَرُ الفائدةُ منَ الطَّرَفَينِ.
أما التباذلُ فمعناهُ أنْ يُعطِيَ هذا الآخرَ شيئًا ما ولو سِواكًا والآخرُ يُعطي أخاهُ ما يَتَيسَّرُ لهُ وهذا مـما يُقوِّي التَّحابَّ. هذا الأدبُ الإسلاميُّ. في هذا الزمنِ قلَّ توقيرُ الكبيرِ حتى إنَّ الابنَ قدْ يتقدَّمُ أباهُ في َصدرِ الـمجلسِ، هذا مِنْ قلَّةِ الأدبِ فينبغي تأديبُ الطُّلابِ في المدارِسِ وتعليمُهُم هذا الأدبَ الحسنَ.
انتهى واللهُ تعالى أعلم.
------------------

1- رواه الحافظ ابن حجر العسقلاني في الأمالي المطلقة.
2- رواهُ أبو نعيم في الحلية باب مالك بن أنس بدون لفظ حلماء ونقله المناويّ في فيض القدير وفيه لفظ حلماء.
3- رواه الشاشي في مسنده باب عبد الرحمن بن أبي علقمة عن عبد الله.
4- رواه البخاري في صحيحه باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع.