من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس الحادي والعشرون- الصفاتُ الواجبةُ لله تعالى

الدرس الحادي والعشرون
الصفاتُ الواجبةُ لله تعالى

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ الفقيهُ المتكلمُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الهرريُّ رحمه الله تعالى سنةَ ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف وهو في بيانِ الصفاتِ الواجبةِ لله تعالى.
قالَ رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً: الحمدُ للهِ ربَّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وأصحابهِ الطيبينَ الطاهرينَ.
أما بعد، فقد قال الله تعالى في سورة الفتح ﴿ومَن لـم يُؤمن باللهِ ورَسُولِهِ فإنَّا أعْتَدْنا للكافرينَ سَعيرًا﴾.
يجبُ الإيمانُ باللهِ معَ معرفةِ ما يجوزُ في حقِّ اللهِ وما يستحيلُ في حقهِ وما يجبُ لهُ، فيعتقدُ بوجودِ اللهِ وبصفاتِهِ ويعتقدُ بها اعتقادًا جازِمًا، والإيمانُ بالرسولِ معَ معرفةِ ما يليقُ بهِ وما يجوزُ في حقِّهِ وحقِّ إخوانِهِ الأنبياءِ وما يستحيلُ في حقِّهِم وما يجبُ لهم معَ الإقرارِ باللسانِ بذلكَ وأقلهُ النطقُ بالشهادَتَينِ أو ما في معناهُما. ومَنْ لـم يؤمن باللهِ ورسولِهِ يُعَدُّ كافرًا ويدخلُ جهنَّمَ خالدًا فيها.
وقبلَ البَدءِ بهذهِ الدراسةِ فليُعلَمْ أنَّ الأحكامَ العقليةَ ثلاثةٌ أوَّلاً الواجبُ العقليُّ: وهوَ الذي لا يُتَصَوَّرُ في العقلِ عَدمُهُ أيْ عدمُ وجودِهِ أو هوَ الذي لا يَقبَلُ العدمَ أصلاً لذاتِهِ، فاللهُ هوَ واجبُ الوجودِ لأنهُ لا يُتَصَوَّرُ في العقلِ عدَمُهُ أيْ لا يقبلُ الانتفاءُ أصلاً لذاتِهِ.
ثانيًا: المستحيلُ العقليُّ: وهوَ الذي لا يُتَصَوَّرُ في العقلِ وجودُهُ أيْ لا يقبلُ الوجودَ أصلاً لذاتِهِ. فالشريكُ للهِ مستحيلُ الوجودِ لأنهُ لا يقبلُ الوجودَ أصلاً لذاتِهِ أيْ لا يَتَصَوَّرُ العقلُ وجودَهُ.
ثالثًا الجائزُ العقليُّ: وهوَ الذي يُتصوَّرُ في العقلِ وجودُهُ تارةً وعدمُهُ تارةً أخرى، فالعالـمُ بما فيهِ منَ الأشياءِ التي نراها والتي لا نراها جائزُ الوجودِ أي ممكنُ الوجودِ لأنهُ يُتصوَّرُ في العقلِ وجودُهُ بعدَ عدمٍ وعدمُهُ بعدَ وجودٍ وهذهِ حالةُ العالَمِ، فالإنسانُ مثلاً أوجدَهُ اللهُ بعدَ أنْ لـم يكُنْ موجودًا ثمَّ يفنى فهوَ لذلكَ مِنَ الـمُمكِناتِ.
قال اللهُ تعالى في سورةِ النحل ﴿ولِلَّهِ الـمَثَلُ الأعلَى﴾ أي للهِ الوصفُ الذي لا يشبهُ وصفَ غيرهِ.
وصفاتُ اللهِ يجبُ الإيمانُ بأنها ثابتةٌ لهُ ومَن نفاها يُسمَّى مُعطِّلاً، فالـمُلحِدُ الذي لا يعتقدُ مثلاً وجودَ اللهِ يكونُ قد نفَى صفةَ الوجودِ لذلكَ يُسمَّى مُعطِّلاً. وهذهِ الصفاتُ التي يجبُ الإيمانُ بها هيَ صفاتٌ ثابتةٌ للهِ تعالى، وهيَ ليسَتْ عينَ الذاتِ ولا غيرَ الذاتِ فنقولُ هيَ صفاتٌ هوَ مُتَّصِفٌ بها تجبُ لهُ عقلاً وشرعًا، وفي قولِ الإمامِ النسفيّ1 وهيَ لا هوَ ولا غيرُهُ اهـ.
2والصفاتُ التي يجبُ على كلِّ مُسلمٍ بالغٍ عاقلٍ أن يَعْلَمَها وهيَ صفاتُ الذاتِ للهِ والتي لا يوصف اللهُ بمُقابلها ثلاثَ عشرةَ صفةً أجمعتِ الأئمةُ على أنَّ جاهِلَها يكونُ فاسِقًا وهيَ: الوجودُ والقِدَمُ والبقاءُ والعِلمُ والمشيئةُ والقدرةُ والوحدانيةُ والـمُخالفةُ للحوادثِ والقيامُ بالنفسِ والسمعُ والبصرُ والكلامُ والحياةُ.
أوَّلاً الوجودُ. قالَ اللهُ تعالى في سورة إبراهيم: ﴿أفي اللهِ شكٌّ﴾ فيجبُ الاعتقادُ بوجودِ اللهِ وهيَ صفةٌ للهِ أزليةٌ أبديةٌ فاللهُ تعالى موجودٌ بلا بدايةٍ موجودٌ بلا نهايةٍ موجودٌ بلا مكانٍ.
ثانيًا القِدَمُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ تعالى قديمٌ بمعنى أنهُ هوَ الأولُ أيْ لا بدايةَ لوجودِهِ وأن صفاتِهِ أزليةٌ.
ثالثًا البقاءُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ تعالى هوَ الآخِرُ أيْ لا نهايةَ لوجودِهِ أيْ أبديٌّ وأنَّ صفاتِهِ أبديةٌ ولا أبديَّ بذاتِهِ إلا اللهُ لأنهُ لا يقبلُ الفناءَ أصلاً لذاتِهِ. أما الجنةُ والنارُ وإنْ كانَتا أبديَّتَينِ فبِمشيئةِ اللهِ بَقاؤُهما فهما أبديتانِ بغَيرِهِما لأنهما منَ الـمُمكِناتِ فهما جزءٌ من هذا العالم، قالَ الله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الأولُ والآخِرُ﴾.
رابعًا الوَحدانيةُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ واحدٌ لا شريكَ لهُ قالَ اللهُ تعالى في سورةِ محمد: ﴿فاعْلَمْ أنهُ لا إلهَ إلا اللهُ﴾. اللهُ واحدٌ في ذاتِهِ فلا نظيرَ لهُ وواحدٌ في صفاتِهِ وواحدٌ في فِعلهِ فنقولُ مثلاً: اللهُ خالقٌ ولا خالقَ إلا الله. واللهُ تعالى واحدٌ لا من طريقِ العددِ لأنَّ العددَ مخلوقٌ ولكنْ من طريقِ أنْ لا شريكَ لهُ.
خامسًا المخالفةُ للحوادث: فاللهُ تعالى لا يشبهُ شيئًا من مخلوقاتِهِ لا في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ قالَ تعالى في سورة الشورى ﴿ليسَ كمِثلِهِ شىءٌ﴾ وقالَ الإمامُ أبو حنيفةَ أنَّى يُشبهُ الخالقُ مخلوقَهُ اهـ.
سادسًا القيامُ بالنفسِ: قالَ تعالى في سورةِ الإخلاص: ﴿اللهُ الصمدُ﴾ واللهُ تعالى هوَ الـمُستغني عن كلّ ما سواهُ فلا يحتاجُ إلى مُوجِدٍ لأنهُ موجودٌ بلا بدايةٍ ولا يحتاجُ إلى مَنْ يُخَصِّصُهُ بالعلمِ بدلَ الجهلِ أو غيرِها من صفاتهِ لأنهُ مُتَّصِفٌ بها فيما لا بدايةَ لوجودِهِ.
سابِعًا العلمُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ متصفٌ بصفةِ العلمِ وهيَ صفةُ ذاتٍ واجبةٌ للهِ تعالى أزليةٌ وأبديةٌ فلـم يزَلِ اللهُ عالـمًا بذاتِهِ وصفاتِهِ وما يُحدِثُهُ مِن مخلوقاتِهِ لا يغيبُ عن عِلْمِهِ شىء لأنهُ يعلَمُ بكلِّ الأشياءِ في الأزلِ.
ثامنًا المشيئةُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ متصفٌ بالمشيئةِ أيِ الإرادةِ وهيَ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ يخصِّصُ بها اللهُ تعالى الممكنَ ببعضِ ما يجوزُ عليهِ كتخصيصِ الأخضرِ بلونِ الخُضرةِ دونَ غيرها منَ الألوانِ الجائزةِ عليهِ، لا فرقَ في ذلكَ بينَ الخيرِ والشرِّ والكُفرِ والإيمانِ والفوزِ والخُسرانِ وغيرِها منَ الـمُتَضادَّاتِ منَ الـمُمكِنات.
تاسعًا القدرةُ. يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ متصفٌ بالقدرةِ وهيَ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ للهِ تتعلقُ بإيجادِ الممكنِ وإعدامِهِ لقولهِ تعالى في سورةِ البقرة: ﴿إنَّ اللهَ على كلِّ شىءٍ قديرٌ﴾ أيْ على كلِّ شىءٍ منَ الممكِناتِ فلا تتعلَّقُ قدرةُ اللهِ بالواجبِ الوجودِ إيجادًا ولا إعدامًا لأنهُ لا يقبلُ الفناءَ أصلاً لذاتِهِ. كذلكَ لا تتعلقُ قدرةُ اللهِ بالمستحيلِ العقليّ لا إيجادًا ولا إعدامًا لأنهُ لا يقبلُ الوجودَ أصلاً لذاتِهِ. وعدمُ تعلَّقِ قدرةِ اللهِ بالمستحيلِ والواجبِ العقليِ ليسَ عجْزًا بل هوَ كمالٌ للهِ تعالى وهوَ مِن مُقتَضَياتِ العقلِ أيضًا لأنَّ المستحيل العقليَّ لا ينقلِبُ ممْكِنًا أيضًا، وتتعلقُ القدرةُ بالمستحيلِ العاديّ.
عاشرًا السمعُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ مُتصِفٌ بالسمعِ وهيَ صفةٌ للهِ أزليةٌ أبديةٌ يسمَعُ اللهُ تعالى بها كلَّ الـمَسموعاتِ لا فرقَ بينَ ما كانَ قريبًا أو بعيدًا مِنَّا. وهوَ يسمعُ بلا أُذنٍ ولا واسطةٍ ولا جارحةٍ ولا يطرأُ على سَمْعِهِ ضَعْفٌ ولا تَغَيُّرٌ لأنَّ هذا لا يليقُ باللهِ قال الله تعالى في سورةِ الشورى: ﴿وهوَ السميعُ البصيرُ﴾.
الحادي عشر البصرُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ اللهَ متصِفٌ بالبصرِ وهيَ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ للهِ تعالى يرى بها الـمَرئياتِ كلَّها بلا جارحةٍ ولا واسطةٍ، يرى الأشياءَ البعيدةَ مِنَّا والقريبةَ، ولا يطرأُ على صفةِ البصرِ لله تغيُّرٌ ولا تبدُّلٌ لأنَّ أزَليَّ الذاتِ لا يَتطوَّرُ وصفاتُهُ الأزليةُ لا تَتطورُ.
الثاني عشر الكلامُ: يجبُ الاعتقادُ بأنَّ للهِ صفةَ الكلامِ وهيَ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ للهِ تعالى واللهُ ءامرٌ ناهٍ مُـخْبِرٌ بها ليسَتْ حرفًا ولا صوتًا ولا لغة، أما القرءانُ بـمعنى اللفظِ الـمُنزَّلِ على سيدنا محمدٍ وغيرُهُ منَ الكتبِ المنَزَّلةِ فعبارةٌ عن كلامِ اللهِ الذاتيّ الأزليّ فكما إذا كَتَبنا اللهَ أيْ لفظَ الجلالةِ فهذهِ الكلمةُ هيَ عبارةٌ عن ذاتِ اللهِ وليستْ عَينَ الذاتِ، وكذلكَ القرءانُ هوَ عبارةٌ عن كلامِ اللهِ، وسُـمِّيَ كلامَ اللهِ لأنهُ ليسَ من تأليفِ محمدٍ ولا جبريل. ويُطلَقُ القرءانُ بمعنى الكلام الذاتيّ أيضًا قالَ اللهُ تعالى في سورة النساء: ﴿وكَلَّمَ اللهُ مُوسى تكليمًا﴾.
الثالثَ عشرَ الحياةُ: قال اللهُ تعالى في سورة البقرة ﴿اللهُ لا إلهَ إلا هُوَ الحيُّ القَيُّومُ﴾ فالحياةُ صفةٌ للهِ أزليةٌ أبديةٌ، وحياةُ اللهِ ليسَتْ كَحَياتِنا لأنَّ حياتَنا بحاجةٍ لاجتِماعِ الروحِ والجسدِ أما حياةُ اللهِ فهيَ صفتُهُ.
انتهى والله تعالى أعلم.
------------------

1- أي يُعَبَّرُ عن المعنى نفسِهِ أيضًا بعبارة النسفي المذكورة .
2- المقصود بجاهلِها من لـم يخطُرْ ببالِهِ صفةٌ منها أو أكثرُ ولـم يتعلمها فإنه يكونُ فاسقًا وأما مَنْ أنكرَ صفةً منها فهو كافرٌ. نعم مَن لـم يخطر بباله وجودُ الله تعالى فإنه كافرٌ كذلك.