من كتب العلّامة الهرري كتاب جامع الخيرات
 الدرس الثامن عشر- حِفظُ اللسانِ والتحذيرُ منَ الردةِ

الدرس الثامن عشر
حِفظُ اللسانِ والتحذيرُ منَ الردةِ

جامع الخيرات

couv-c100-africa درسٌ ألقاهُ الشخُ نزارُ بن رشيد الحلبيّ رحمه الله في الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة وألف وهو في بيان حفظ اللسان والتحذير من الردة.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد وعلى ءالهِ وأصحابهِ أجمَعين.
أما بعد، فقد قالَ اللهُ تعالى في سورةِ النور ﴿يومَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ وأيْدِيهِم وأرْجُلُهُم بِما كانُوا يعمَلُون﴾. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنهُ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيَقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ"اهـ متفقٌ عليهِ1. معنى هذا الحديثِ أنهُ مَنْ كانَ يؤمنُ الإيمانَ الكاملَ الـمُنجي من عذابِ اللهِ الـمُوصِلَ إلى رضوانِ اللهِ فلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ لأنَّ مَنْ ءامنَ باللهِ حقًّا خافَ وعيدَهُ ورَجا ثوابَهُ واجتَهَدَ في فِعْلِ ما أمرَهُ بهِ وترْكِ ما نهاهُ عنهُ، ومِن ذلكَ ضَبْطُ جوارِحِهِ التي هيَ رعاياهُ وهوَ مسؤولٌ عنها كما قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الإسراء ﴿إنَّ السمعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أولئكَ كانَ عنهُ مسْؤلاً﴾.
وقدْ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وهل يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وُجُوهِهِم" أو قال2: "على مناخِرِهِم إلا حصائدُ ألسِنَتِهم" اهـ رواهُ الترمذيُّ3. فَمَن علِمَ ذلكَ واتَّقى اللهَ ضبطَ لسانَهُ حتى لا يتكلمَ إلا بخيرٍ أو يسكُتَ.
فهذا اللسانُ هوَ مِن نِعَمِ اللهِ علينا وينبغي أنْ يُستَعملَ في ذكرِ اللهِ وطاعَتِهِ وفي الحثِّ على الخيرِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ الـمُنكرِ وفي كلِّ ما يعودُ على الناسِ بالنفعِ والخيرِ. وأما مَنْ يُطلِقُ العِنانَ للسانِهِ ويَسترسِلُ في المعاصي وإيذاءِ الآخَرينَ بهِ مِنْ غيبةٍ وشَتْمٍ وسبٍّ ولَعْنٍ بغيرِ حقّ فإنَّما يُوقِعُ نفسَهُ في المهالكِ.
ولا بُدَّ مِن أنْ نذكُرَ أنَّ أشدَّ معاصي اللسانِ وأخطَرَها على الإطلاقِ الكفرُ كسبِّ اللهِ وسبّ الأنبياءِ والملائكةِ ودينِ الإسلامِ وسبّ القرءانِ وتحليلِ أمرٍ حرام معلومٍ منَ الدينِ بالضرورةِ أنهُ حرامٌ كمَن يقولُ عن شُربِ الخمرِ أو عنِ الزنا إنهُ حلالٌ. ومعنى الأمرِ المعلومِ منَ الدينِ بالضرورةِ الأمرُ الظاهرُ بينَ المسلمينَ بحيثُ يعرفهُ الجاهلُ والعالمُ منَ المسلمينَ.
ولقدِ اهتمَّ العلماءُ بالتحذيرِ منَ الكُفرِ القوليّ ومِن سائرِ أنواعِ الكفرِ ونَصُّوا على ذلكَ في كُتُبِهِم4، ومِن هؤلاءِ الإمامُ النوويُّ رضيَ الله عنهُ والشيخُ عبدُ الباسطِ الفاخوريّ رحمهُ اللهُ تعالى الذي كانَ مُفْتِيًّا لولايةِ بيروتَ في أيامِ العُثمانيينَ منذُ نحوِ مائةِ سنةٍ.
وقد ثبتَ عن أحدِ الصحابةِ وهوَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ أنهُ أخذَ بلسانِهِ وخاطبهُ يا لسانُ قُلْ خيرًا تَغْنَمْ واسكُتْ عن شرٍّ تَسلَمْ مِنْ قبلِ أن تندمَ إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: أكثرُ خطايا ابنِ ءادمَ من لسانِهِ اهـ رواهُ الطبرانيُّ5. ومن هذهِ الخطايا الكفرُ والكبائرُ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ العبدَ ليَتَكلمُ بالكلمةِ ما يتبيَّنُ فيها يَهوي بها في النارِ أبعدَ مِمَّا بينَ المشرقِ والمَغربِ اهـ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ6، فالإنسانُ قد يَنطِقُ بكلمةٍ يظنُّ أنهُ لا بأسَ بها ولا تضرّهُ شيئًا يهوي بسبَبِها إلى قعرِ جهنَّمَ والعياذُ باللهِ تعالى وهيَ كلمةُ الردةِ أي الكلمةُ التي يخرُجُ بها منَ الإسلامِ. قال اللهُ تعالى في سورةِ البقرة: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فيَمُتْ وَهُوَ كافرٌ فأولئكَ حَبِطَتْ أعمَالُهُمْ في الدنيا والآخرةِ وأولئكَ أصحابُ النارِ هُمْ فيها خالِدونَ﴾.
والردةُ ثلاثةُ أقسامٍ كفرٌ اعتقاديٌّ وكفرٌ فعليٌّ وكفرٌ قوليٌّ كما قسَّمَها النوويُّ وغيرُهُ من شافعيةٍ وحنفيةٍ ومالكيةٍ وحنابلةٍ وغيرِهِم وذلكَ مِصداقُ قولهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النارِ سبعينَ خريفًا "اهـ رواه الترمذيُّ7. أيْ يهوي مسافةَ سبعينَ عامًا في النزولِ وذلكَ مُنتَهى جهنّمَ وهوَ خاصٌّ بالكُفارِ. ومعنى" لا يرى بها بأسًا" أيْ لا يرى بها ضررًا فبعضُ الناسِ الذينَ لا يُبالُونَ ولا يهتمونَ بضَبطِ ألسِنَتِهِم وحِفظِها عنِ الكفرِ يُسارِعُونَ إلى التسخُّطِ8 على اللهِ عندَ أيَّ حادثٍ يقعُ لهم أو مصيبةٍ تَـحُلُّ بهم وربما سَبُّوا اللهَ تعالى أو الرسولَ صلى الله عليه وسلم أو دينَ الإسلامِ وهُم في الحقيقةِ يُوقِعُونَ أنفُسَهُم في الكفرِ الذي هوَ أكبرُ ذنبٍ وهوَ الذنبُ الذي لا يغفرهُ اللهُ لمن ماتَ عليهِ، قالَ تعالى في سورةِ محمد: ﴿إنَّ الذينَ كفَرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ اللهِ ثمَّ ماتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فلن يَغفِرَ اللهُ لهُمْ﴾ فماذا يَجْنِـي هؤلاءِ الهالِكونَ المتهوّرونَ حينَ يسبُّونَ اللهَ ويستهزِؤونَ بالأنبياءِ والملائكةِ والشرعِ الحنيفِ، إنما يكتسبونَ الخطيئةَ وفيها المذلَّةُ والـمَهانةُ والخُسرانُ.
قالَ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ تعالى اللسانُ جِرمُهُ صغيرٌ وجُرمُهُ كبيرٌ اهـ وقيلَ مَثَلُ اللسانِ مَثَلُ السَبُعِ إن لم تُوثِقْهُ عَدَا عليكَ9 اهـ وقيلَ للإمامِ ذي النونِ المصريّ مَنْ أصوَنُ الناسِ لقلبِهِ قالَ: أملكُهُم للسانِهِ اهـ وعلى العاقلِ أن يُفكِّرَ في قولِ اللهِ تعالى في [سورة ق] ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قولٍ إلا لَدَيهِ رقيبٌ عتيدٌ﴾ فإنَّ مَنْ فكرَ في ذلكَ عَلِمَ أنَّ كلَّ ما يَتكلمُ بهِ منَ الجِدِّ والهَزلِ والغضبِ يُسجِّلُهُ الملَكانِ فهل يَسُرُّ العاقلَ أن يرى في كتابهِ حينَ يُعرَضُ عليهِ يومَ القيامةِ هذهِ الكلماتُ الخبيثةُ، بَل يَسوؤُهُ ذلكَ ويُحْزِنُهُ حينَ لا ينفعُ الندمُ، فليَعتَنِ بحفظِ لسانِهِ منَ الكلامِ بما يَسوؤُهُ إذا عُرِضَ عليهِ في الآخرةِ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خصلتانِ ما إنْ تَجَمَّلَ الخلائقُ بمِثلِهِما حُسنُ الخلقِ وطُولُ الصمتِ "اهـ رواهُ ابنُ أبي الدنيا في كتابِ الصمتِ.
وقد قالَ الحافظُ ابنُ حبانَ رحمهُ اللهُ يا ابنَ ءادمَ أنصِفْ لسانَكَ مِنْ أذنَيكَ واعلَمْ إنما جُعلَ لكَ لسانٌ وأذنانِ لتَسمعَ أكثرَ مما تقول اهـ.
أخي المسلم، ينبغي على كلِّ عاقلٍ أن يستعملَ نعمةَ اللسانِ التي أنعمَ اللهُ بها عليهِ في قولِ الحقِّ وذكرِ اللهِ وتلاوةِ القرءانِ وفي الطاعاتِ والخيراتِ حتى يُنَوَّرَ قلبُهُ وتنجَلِيَ عنهُ الظلماتُ التي تأتِي من كلامِ الشرِّ وقولِ الباطلِ.
وكما أنَّ السكوتَ في وقتِهِ صفةٌ حميدةٌ كذلكَ فإنَّ الكلامَ في مَوضِعِهِ خصلةٌ محمودةٌ. فإنَّ مَنْ يسمعُ الكفرَ بأذُنَيهِ ويسكتُ عن إحقاقِ الحقّ وإنكارِ المنكرِ معَ قدرتِهِ عليهِ إنّما يسعى إلى حَتْفِهِ وهلاكِهِ، ومثلُ الكفرِ باقي الـمُنكراتِ.
اللهمَّ إنّا نسألكَ أن تُبعِدَنا عنِ الكفرِ والفُسوقِ والفجورِ والكلامِ الفاسدِ ونسألكَ أن تُعينَنا على ذكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادَتِكَ.
انتهى والله سبحانه أعلم.
------------------

1- رواه البخاري في صحيحه باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
2- أي شكّ الراوي.
3- رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في حرمة الصلاة.
4- كرسالة البدر الرشيد الحنفي والقاضي عياض في الشفا وغيرهما .
5- رواه الطبراني في المعجم الكبير.
6- رواه البخاري في صحيحه باب حفظ اللسان، ورواه مسلم في صحيحه باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار.
7- رواه الترمذي في سننه باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس.
8- أي عدمِ الرضا.
9- ذكره النووي في الأذكار باب حفظ اللسان.