العلم علمان
العلم علمان
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: "لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود؛ فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود".
العلم الموجود أقسام، منه ما يدرك بالعقل، ومنه ما لا يدرك إلا بالنقل، ثم يوافق العقل عليه فيشهد له بالصحة. وذلك لأن العلم الذي جاء به الشرع، العقل شاهده، أي لا يرده العقل، وإن كان الرأي قد يخالفه؛ لأن العمدة على العقل ليس على الرأي، فالشرع لا ارتباط له بالرأي، ولكن العقل له ارتباط بالشرع، لأن الشرع لا يأتي بما يناقض العقل الصحيح.
لأن الله تبارك وتعالى أرشد إلى النظر بالعقل، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ فالمعنى أن هؤلاء الأشياء الأربع المذكورات في هذا الموضع الذي أرشد الله تبارك وتعالى العباد للاستدلال به على وجوده وكمال قدرته وعلمه، حق أن يستدل به العباد حتى يعرفوا صحة الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من توحيد الله تعالى، وأنه منفرد بالألوهية، لا يصلح لأحد أن يكون إلهًا سواه.
وذلك دليل على أن العقل نعمة كبيرة، وأنه نور، ولكنه لا يكتفى به إلا مع الشرع؛ فمن اقتصر على العقل ولم يجعله شاهدًا للشرع فيتبع الشرع فإنه لا يفلح، لا يكون من المفلحين. في طي الآية أن وجود هذه الأشياء، هذه وجود الإبل التي لها امتياز في شأنها، فإنها مذللة ذللها الله تعالى للعباد لينتفعوا بها، مع أنها أكبر حجمًا من البشر، ثم هي تنقاد لهم؛ فالطفل ينقاد له الإبل، يسوقه بزمامه إلى حيث يشاء، فيتم الانتفاع البشري به.
فالعقل يدرك بأن لها صانعًا حكيمًا عليمًا قادرًا، أوجدها من العدم وسخرها فيما أجرى العادة بانتفاع البشر بها من عدة وجوه: ينتفع بها في حليبها في حياتها، وينتفع بها في تحميلها الحمولة الثقيلة، وينتفع بها في ركوبها لقطع المسافات الطويلة مع دؤوبها على السير في المسافات الطويلة مع الصبر عن الماء مدة لا يصبرها غيرها من البهائم. ثم ينتفع ينتفع بلحمها وينتفع بجلدها وينتفع بوبرها.
فالعقل لا يصحح وجودها من دون موجد حكيم عليم قادر مريد، لا يصلح أن يكون خالقًا لها إلا من هو متصف بالوجود والحياة والقدرة والعلم والإرادة.
Tags:
فيديوهات مختلفة ,
من مرئيات الشيخ الهرري رحمه الله