#

ليس منا من تكهن أو تكهن له

ليس منا من تكهن أو تكهن له

وبعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تكهن أو تُكهن له" ، "وليس منا من سحر أو سُحر له"، هاتان المعصيتان من كبائر الذنوب، هاتان المعصيتان من كبائر المعاصي. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من تكهن أو تُكهن له". المعنى أن الذي يشتغل بالكهانة، أي يتعاطى الإخبار عن الأمور الخفية من سرقة ونحو ذلك، يذهب الناس إليه يسأله إلى أين وصل المسروق؟ أو إلى أين وصل المال الضائع؟ ، المال الذي ضاع منهم ونحو ذلك؟ أو يُقصد للسؤال عن المستقبل، للسؤال عن الزواج، هل تكون عاقبته حسنة أم غير حسنة، أو عن نحو ذلك من الأمور المستقبلة. ثم يحدث هذا الإنسان الذي يُقصد للكشف عن السرقة أو الضائع من المال أو للإخبار عن المستقبل بأن هذا الزواج يكون سعيدًا أو تعيسًا. هذا الشخص الذي يُقصد لهذا يدعي أن عنده روحانية، وهو عبارة عن جني، لكن لا يقول روح جني هو يقول أنا روحاني، أي ممن له صاحب من الجن يأتيه بالأخبار، يعتمد عليه بالأخبار. وهذا جني ليس من ملائكة الله، إنما هو جني يوهم الناس أنه من الملائكة، لأنه إن قال أنا جني وقال عنه صاحبه الإنسي أنه جني لا يعظم اعتقاد الناس فيه، لا يعظم اعتقادهم فيه، أما إن قال "روحاني" فيتوهمون عنده ملك من ملائكة الله، أو أنه جني من الجن الكبار الطيبين. لهذا الغرض يكذبون، بدل أن يقولوا نحن جن، كسائر الجن يقولون نحن روحانيون. فيأخذ الخبر عن هذا الروحاني، فيخبر الناس الذين يقصدونه، يقول لهم السرقة الفلانية ذهب بها إلى جهة كذا، أو يقول الذي أخذها صفته كذا وكذا.
ثم إما أن يوافق الواقع وإما ألا يوافق الواقع، لأن الجن لا يعلمون الغيب كما أن الإنسان لا يعلم الغيب، إنما الجن بما أن فيهم طيارين يطيرون بسرعة من مسافة بعيدة إلى مسافة بعيدة، يستطيعون أن يلموا الأخبار، يستطيعون أن يشاهدوا كثيرًا من الحادثات من غير أن يراهم الإنس، من غير أن يراهم أحد يعاينون الحادثات التي تحدث، كثير من الحادثات يشاهدونها، ثم يذهبون إلى صاحبهم هذا الذي هو إنسي فيعطونه الخبر، فقد يعطونه بما هو مشاهد لهم واقع، وقد يعطونه بالتخمين من دون أن يكونوا شاهدوا الحادثة، بالتخمين.
وقد تكون الكهانة اعتمادًا على النجوم، وهذا الصنف يقال له المنجم، وهؤلاء أيضًا لا يعلمون حقائق الأشياء، إنما أحيانًا تصادف أخبارهم الواقع وأحيانًا لا تصادف الواقع، لا توافق الواقع. ثم الناس الذين يترددون إليهم، يذهبون إليهم على أمل أن خبرهم يصدق، وأن حاجتهم تنقضي أي تظهر لهم السرقة أو المال الضائع أو نحو ذلك. وقد يكون هؤلاء الكهان لهم استدلال بخطوط الكف وغير ذلك من الأشياء، هؤلاء هم الذين يقول الرسول عنهم ، الذين يخبرون، هم الذين قال الرسول عنهم: "ليس منا من تكهن"، أي الشخص الذي يخبر، يخبر الناس عن الأمور الخفية. وقوله عليه الصلاة والسلام "أو تُكهن له"، أي أن ذلك الإنسان الذي يعمل الكاهن له، يعمل هذا الكاهن له، يعمل هذا الكاهن له هذا أيضًا ليس منا، معناه بعيد منا لأنه فاسق، لو كان مسلمًا فهو فاسق بعيد.
المعنى أن الذي يتكهن والذي يُتكهن له، سواء كان بأجرة أو بلا أجرة، فإنه بعيد بعيد من الكمال، فاسق، فاسق من الفاسقين، يستحق عذاب الله إن مات قبل أن يتوب، العذاب الشديد، يستحق في القبر وفي الآخرة.

Tags: مرئيات العلّامة الهرري , عيسى ابن مريم ﷺ