من إملاءات المحدّث الهرري كتاب سلسلة الذهب - الجزء الأول

أنبياءُ قتلَهم بنو إسرائيلَ

سلسلة الذهب - الجزء الأول

couv-c100-africa الحمدُ للهِ رَبّ العالمينَ لَهُ النّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، صَلواتُ اللهِ البَرّ الرَّحيمِ والملائِكَةِ المقَرَّبينَ عَلى سَيّدِنا محمَّدٍ أَشرَفِ المُرسَلينَ وعلى جميعِ إِخوانِهِ مِنَ النَّبيّينَ والـمُرسَلينَ وسَلامُ اللهِ عَلَيهِم أَجمَعينَ.
أَمّا بَعدُ فَقَد قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ" هذا الحديثُ صَحيحٌ رواهُ البُخارِيُّ وغَيرُهُ، وَمَعناهُ أَنَّ اللهَ تَعالى إِذا أَرادَ لِعبدِهِ المؤمِنِ دَرَجَةً عالِيةً يُنَزّلُ عَلَيهِ مَصائِبَ الدُّنيا، يَحميهِ مِن مَصائِبِ الدّينِ ويُكثِرُ عَلَيهِ مِن مَصائِبِ الدُّنيا.
ومِن مَصائِبِ الدُّنيا المرَضُ والفَقرُ وأَذى النّاسِ وما أَشبَهَ ذَلِكَ، على اختِلافِ أَصنافِها، مَصائِبُ الدُّنيا كَثيرَةٌ هذا الذي يُتلَفُ لَهُ مالُهُ بِسَبَبِ هذِهِ القَذائِفِ أَو يُنهَبُ مالُهُ، الفُسّاقُ والفُجّارُ والكُفّارُ يَنهَبونَ لَهُ مالَهُ هذِهِ مُصيبَةٌ، والذي يُجرَحُ في جَسَدِهِ مُصيبَةٌ، إِن أَدّى بِهِ إِلى الموتِ وإِن لم يُؤدّ بِهِ إِلى الموتِ؛ لأَنَّهُ يَكونُ قاسى مِن ءِالامِ الجَرحِ ما قاسى ثُـمَّ تَعافى؛ كُلُّ هذا مُصيبَةٌ، هذِهِ مَصائِبُ الدُّنيا.
أَمّا مصائِبُ الدّينِ فَهِيَ كالرَّجُلِ الذي يُبْتلى بِتَركِ الصَّلاةِ أَو بِشُربِ الخَمرِ أَو بِأَكلِ المالِ الحرامِ أَو بِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ المعاصي هذِهِ مَصائِبُ في الدّينِ، اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مَن أَحَبَّهُ مِن عِبادِهِ مِن إِنسٍ وَجِنّ يُكثِرُ عَلَيهِ المصائِبَ الدُّنيويَّةَ ويَحميهِ مِن مَصائِبِ الدّينِ فَلا يَنبَغي أَن يَتَشَاءَمَ الرَّجُلُ إِذا بَدَأَ بِنَشاطٍ في عِبادَةِ اللهِ تَعالى، في الإِقبالِ إِلى الدّينِ، ثُـمَّ أُصيبَ بِالمصائِبِ نَزَلَت عَلَيهِ المصائِبُلا يَقُل ما هنأَتْ ليَ العِبادَةُ،إِقبالي على الطَّاعةِ ما هَنَأَ لي لأَنَّ المصائِبَ كَثُرَت عَلَيّ بَعدَ أَن أَقبَلتُ على الطّاعَةِ، لا يَجوزُ هذا الكلامُ، هذا غُرورٌ، انخِداعٌ بِالشَّيطانِ. الشَّيطانُ يَقذِفُ في قَلبِهِ ويَقولُ لَهُ: أَنتَ ما كُنتَ هَكذا لـمَّا كُنتَ غَيرَ مُقبِلٍ على العِبادَةِ الآنَ لـمَّا أَقبَلتَ على العِبادَةِ أَصابَتكَ هذِهِ المصائِبُ، نَزَلَتْ بِكَ، لِيَرُدَّهُ إِلى وَراءٍ، كانَ مُقبِلاً مُتَقَدّمًا نحوَ الخيرِ، نحوَ التَّقَرُبِ إِلى اللهِ، ثُـمَّ الشَّيطانُ صارَ يُؤَخّـِـرُهُ إِلى خَلْفٍ، إِلى وراءٍ. هذِهِ مِن جُملَةِ دَسائِسِ الشَّيطانِ، بَل يَنبَغي للإِنسانِ إِن سَلِمَ لَهُ دينُهُ وكَثُرَتْ عَلَيهِ المصائِبُ أَن يَحمَدَ اللهَ، إِن كانَت مصائِبُهُ في المالِ والجِسمِ وبِتَسَلُّطِ النَّاسِ عَلَيهِ ظُلْمًا لِيَحمَدِ اللهَ كُلَّما زادَت عَلَيهِ المصائِبُ ولا يَتَسَخَّطْ على اللهِ؛ لأَنَّ هذِهِ وإِن كانَت في الدُّنيا ويَتَأَذّى بِذَلِكَ ويَتَأَلَّمُ لَكِن هذا عِندَ اللهِ رِفعَةٌ لَهُ وعُلُوُّ دَرَجاتٍ.
كَم مِن أَنبياءَ قَتَلَتْهُم بَنو إِسرائيلَ والأَنبياءُ هُم أَفضَلُ خَلقِ اللهِ ولَيسوا هَيّنينَ على اللهِ بَل هُم كُرَمَاءُ على اللهِ، مَع ذَلِكَ اللهُ تَعالى ابتلاهُم في الدُّنيا، مِنهُم مَنِ ابتلاهُم بِأَذى النَّاسِ، قَتَلَت كُفّارُ بني إِسرائِيلَ عَددًا كَثيرًا مِنَ الأَنبياءِ.
هذا يَحْيى عَلَيهِ السَّلامُ ابنُ خالَةِ عيسى عَلَيهِما السَّلامُ أُوذِيَ أَذًى شَديدًا وبَلَغَ بِهِ الأَذى إِلى أَن قُتِلَ، مَلِكٌ ظالِمٌ كانَ تَزَوَّجَ امرأةً فهذِهِ المرأةُ كَبِرَت، ذَهَبَ جمالُها الذي كانَ بِها، وكانَ لها بِنتٌ تَكونُ هي رَبيبَةُ هذا الملِكِ لَيسَت بِنتَهُ، قالَت لَهُ: تَزَوَّجْ بِنتي هذِهِ، حتّى لا تَكونَ بَعيدَةً عَنِ النّعمَةِ التي هِي تَتَقَلَّبُ فيها بِسَبَبِ هذا الملِكِ. قالَ: أَسْتَفتي يحيى أَيجوزُ هذا أَم لا؟ فَسَأَلَ نبيَّ اللهِ يحيى فَقالَ لَهُ: حَرامٌ، فَقالَ لها: قالَ لي يحيى: حَرامٌ. فَقالَت لَهُ: هذا اقتُلْهُ، كَيفَ يُحَرّمُ عَلَيكَ؟ كَيفَ يَحولُ بَينَكَ وبَينَ ما تُريدُهُ أَنتَ؟ فَأَخَذَ بِكلامِها فَقَتَلَهُ.
فَحُمِلَ رَأسُ سَيّدِنا يحيى عَلَيهِ السَّلامُ إِليهِ في طَسْتٍ وبَعضُ دَمِهِ وَقَعَ على الأَرضِ فَظَلَّ الدَّمُ يَغلي، ما كانَ يَهدَأُ، والأَرضُ ما كانَتْ تَبلَعُهُ،فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيهِم كافِرًا، فَجاءَ هذا الكافِرُ مِنَ العِراقِ فَقَتَلَ مِنهُم سَبعينَ ألفًا فَهَدَأَ دَمُ يحيى، ظَلَّ يَغلي حتّى قُتِلَ مِن جماعَةِ الملِكِ الذي فَعَلَ هذا الفِعلَ الخبيثَ سَبعونَ أَلفَ إِنسانٍ.
هذا يحيى عَلَيهِ السَّلامُ نَبِيٌّ كَريمٌ على اللهِ، لم يَكُنْ هَيّـِـنًا على اللهِ.اللهُ تَعالى ما سَلَّطَ عَلَيهِ هذا الكافِرَ حتّى تَمَكَّنَ مِن قَتلِهِ فَحُمِلَ إِليهِ رَأسُهُ لهَوَانِهِ على اللهِ، بَل لِيَزيدَهُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِهذا شَرَفًا عِندَهُ. لِذَلِكَ الآنَ يحيى عَلَيهِ السَّلامُ يُقالُ إِنَّ جَسَدَهُ بِمكانٍ وَرَأسَهُ بِمكانٍ، في صَيداءَ يُقالُ إِنَّ هُناكَ مَقامًا يُقالُ لَهُ مَقامُ نَبِيّ اللهِ يحيى، النّاسُ يَزورونَهُ، ومَكانٌ ءاخَرُ أَيضاً.
وَكَذَلِكَ أَبوهُ سَيّدُنا زَكريّا عليه السلام نَبِيُّ اللهِ قَتَلَهُ الكُفّارُ مِن بَني إِسرائيلَ هذانِ النَّبيّانِ عُرِفا بِأَسمائِهِما، أَمّا الذينَ قَتَلَهُم كُفّارُ بني إِسرائيلَ مِنَ الأَنبياءِ فَكثيرٌ لكِنْ لم تُعرَفْ أَسماؤُهُم. اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ما سمَّاهُم بِأَسمائِهم وإِنَّما قالَ: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْر حَقّ﴾ [سورة/ءال عمران /181] أَي اليَهودُ قَتَلوا أَنبياءَ كَثيرينَ.
أَمّا المصائِبُ التي أَصابَتِ الأَنبياءَ مِن غَيرِ القَتلِ مِن مَرَضٍ وأَذًى مِنَ النَّاسِ فَشىءٌ كَثيرٌ، هذا نوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ ظَلَّ صابِرًا يَدعو إِلى اللهِ، يَقولُ لِقومِهِ أَسلِموا ءامِنوا اترُكوا هذِهِ الأَوثانَ التي تَعبُدونها، تِسعَمائةٍ وخمسينَ عامًا عاشَ فيهِم يَقولُ لهم اعبُدوا اللهَ وَحدَهُ واتركوا هذِهِ الأَشياءَ. ثُـمَّ هُم يَستَهزِؤونَ بِهِ ويَسُبّونَهُ ويُهينونَهُ بَينَ البَشَرِ، قاسى مِنهُم ما قاسى.
وكَذَلِكَ سَيّدُنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وعَلى جميعِ إِخوانِهِ النَّبيّينَ قاسى الكَثيرَ الكَثيرَ مِن أَذى المـُـشرِكينَ وقاسى الكَثيرَ مِنَ الأَمراضِ، كانَ لـمَّا تُصيبُهُ سُخونَةٌ تَكونُ ضِعفَينِ، كانَت حَرارَتُهُ وقُوَّةُ كَربِها ضِعفَينِ، مِثلَيْ ما تُصيبُ النّاسَ الآخَرينَ، كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ لـمَّا يُقبِلونَ إِلى الطّاعَةِ والتَّقوى يُصابونَ بِقِلَّةِ المالِ ولا يَجوزُ أَن يَترُكَ الإِنسانُ الطّاعَةَ مِن أَجلِ هذا، لا يجوزُ أَن يَقولَ ما هَنَأتْ ليَ العِبادَةُ، الطّاعَةُ ما هَنأتْ لي بَعدَما أَنا تَعَلَّقْتُ بِها أُصِبتُ بهذِهِ المصائِبِ، لا يَجوزُ.
وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ربّ العالمينَوصلى اللهُ وسلَّمَ على سيّدِنا محمّدٍ الأمينِ وءالِهِ وأصحابِهِ الطيّبينَ

سلسة الذهب
harariyy.org

قائمة سلسة الذهب