من كتب العلّامة الهرري كتاب الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة

مختصر كتاب
الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة
مختصر كتاب عنوانِ الشَّريفِ بالمولدِ الشَّريفِ

الكواكب الدرية

couv-c100-africa تصنيف الشَّيخ عَلي بن ناصِرٍ الحجازيّ الشَّافعيّ الأَشْعريّ القَادِرِيّ المكّي.
الحمد لله الذي شرَّف العالمين بأشرف العالمين، واصطفاه من خلقه أجمعين، ونبَّأه وءادم بين الماء والطّين، ونوَّه بذكره في الأوَّلين كما شرَّف بقدره في الآخرين، دينهُ رقَّ منشور، وقلبه بيت معمور، وذكره سقف مرفوع، وعلمه بحر مسجور، ينادي منادي السُّرور في نادي الحبور قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [سورة المائدة].
خلاصة الخليقة، والموضح مجاز الخير على الحقيقة، عمدة أهل المعارف والتمييز، كشاف أسرار أهل البلاغة باللفظ الوجيز، صاحب الروضة والمنبر، والقضيب واللواء والمِغْفَر، وكم لبس من مفصل المديح بردًا محررًا، من سلك منهاجه فاز بتيسير الأرب، ومن نظر في دقائق لفظه رأى نهاية الفصاحة وغاية الأدب، في أنوار طلعته البهية تنبيه على فضله الكامل، وما مطلب السّؤال إلا بسيط من فائض إحسانه الشامل، فهو صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بمقام العبودية والعبادة، وأعرف العِبَاد والعُبَّاد، ذو الأخلاق الحسنة والسيادة عرفًا وعادة، أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وجعل أجلّ المناصب وأفخر المناقب حظه ونصيبه، وسماه أحمد ومحمدًا، وصان الله اسمه أحمد عن أن يسمى به أحد قبله، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتح به أعينًا عميًا، وءاذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، صلاةٌ وتسليمٌ وأزكى تحيةٍ على المصطفى والآل ما هبت الصبا، فيا واجب الوجود، ويا فائض الكرم والجود، صل على سيدنا محمد وعلى ءاله السادات الكرام، ذوي الشيم العظام، وصحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار، سيما أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، خلفاء الدين وحلفاء اليقين، الله الله الفرد ما له ثاني، حي قيوم كريم ليس ينساني.
فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ذرية نبيّ الله إسماعيل بن إبراهيم عليه وعليهما السلام، وإسماعيل أبو العرب المستعربة لأنه نشأ في مكة وتزوج من قبيلة جرهم العربية، فصارت ذريته عربًا، وهو ذو القصة العميقة التي وردت في القرءان، أوحى الله إلى إبراهيم في المنام أن اذبح ولدك إسماعيل، فلما همَّ أن يطعن بالسكين طعنًا فأضجعه أبوه ليذبحه فأمرَّ عليه السكين فلم ينذبح فنودي من قبل الملك بأمر الله ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ (105)﴾ [سورة الصافات]، ويا إسماعيل ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ (106)﴾ [سورة الصافات]، ونزل السيد جبريل الأمين بالبشارة الحسنة، فَفُدي بكبش، فهلل الخليل وكبر، ونحر الكبش في المنحر، فصار ذلك سنة لأمة المظلل بالغمامة إلى يوم القيامة.
ولم يزل النور المحمدي ينتقل من الأصلاب الزكية إلى الأرحام النقية، حتى وصل إلى عبد الله بن عبد المطلب، وقصة عبد الله في الذبح مشهورة، وعند الرواة مسطورة، وكان سببها المبرم حفر عبد المطلب بئر زمزم لأن الجرهمي عمرو بن الحارث لما أحدث قومه بمكة الحوادث، قيض الله لهم من أخرجهم من خير القرى وأمها، فعمد عمرو إلى نفائس من أمواله وجعلها في زمزم، وبالغ في طمها، وفر إلى اليمن بلاده وقومه وطارفه وتلاده، واشتد شوقه إلى مكة وظلها الظليل، فقال وهو مما زعموا أول شعر قيل:
كأن لم يكن بينَ الحَجونِ إلى الصفا **** أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامرُ
بلى نحنُ كنا أهلَها فأبادَنا فأبادَنا **** سروقُ الليالي والحدوثُ الغوائرُ
فَسَحَّتْ دمُوعُ العينِ تبكي لبلدةٍ **** بها حَرَمٌ أَمْنٌ وفيها المشاعِرُ
روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بُعثت من خير قرون بني ءادم" فهو صلى الله عليه وسلم أبو القاسم محمد المحمود قولا وفعلاً، ابن عبد الله أطيب العرب فرعًا وأصلاً، ابن عبد المطلب الذي بلغ أسنى المطالب، ابن هاشم بن عبد مناف واهب السوائب ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذا هو النسب الذي له في مواطن شرف النبوة ومعدن الرسالة نزول، وإذا ذكر الأنساب فهو صلى الله عليه وسلم كما قال بعض مادحيه:
فما الكون إلا حُلّة ومحمد **** طراز بأنوار النبوة معلم
ثم إنه ورد في الأثر أنه لما تزوج أبوه عبد الله بأمه ءامنة بنت وهب حملت برسول الله عشية الجمعة أول ليلة من رجب، ثم مرض عبد الله ومات بالمدينة ولآمنة ستة أشهر وهي حاملٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات عبد الله وعمره ثماني عشرة سنة كما صححه الحافظ صلاح الدين العلائي.
وروي في الأثر أن ءامنة بنت وهب قالت: لما كان أول شهر من شهوري شهر الله رجب، فبينما أنا ذات ليلة إذ دخل عليَّ رجل حسن الوجه طيب الرائحة وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: مرحبًا مرحبًا بك يا محمد فقلت له: سيدي من أنت؟ فقال: أنا ءادم، فقلت: ما تريد يا أبا البشر، قال: أبشري يا ءامنة بسيد البشر وفخر ربيعة ومضر، ومن ينشق له القمر ويسلم عليه الحجر، ويسعى إلى خدمته الشجر، فلما كان في الشهر الثاني دخل عليَّ رجل جليل القدر وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا خليل الله، السلام عليك يا صفوة الله، قلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا شيث، فقلت: وما تريد يا شيث؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي الكريم والسيد العظيم، الضب له يكلم والحجر له يسلم، ثم انصرف، فلما كان في الشهر الثالث دخل عليَّ رجل له سكينة ووقار، وعليه ضياء وأنوار، وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا مزَّمّل، السلام عليك يا مدَّثّر، قلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا النبي إدريس، فقلت: وما تريد يا إدريس؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي الرئيس والجوهر النفيس، صاحب التسبيح والتقديس، ثم انصرف، فلما كان في الشهر الرابع دخل عليَّ رجل أسمر مليح المنظر وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا صادق، السلام عليك يا صفوة الكريم الخالق، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا نوح، فقلت: وما تريد يا نوح، قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي الممنوح صاحب النصر والفتوح، الذي ذكاؤه في الآفاق يفوح، ثم انصرف، فلما كان في الشهر الخامس دخل عليَّ رجل حُسْنُه مكمل، ووجهه مجمل وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا زين المرسلين، السلام عليك يا إمام المتقين، قلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا نبي الله هود، قلت: وما تريد يا هود؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي المسعود، والرسول المحمود، صاحب الكرم والجود، واللواء المعقود، ثم انصرف، فلما كان في الشهر السادس دخل عليَّ رجل جليل المقدار كثير الأنوار، وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا حبيب المحبوب، السلام عليك يا بغية المطلوب، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا إبراهيم الخليل، قلت: ما تريد يا إبراهيم؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي الجليل، والرسول الفضيل، ثم انصرف، فلما كان في الشهر السابع دخل عليَّ رجل أملح، ووجهه من البدر أصبح وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا صفوة الإله، السلام عليك يا عظيم الجاه، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا أبوه إسماعيل الذبيح، فقلت له: سيدي وما تريد؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي المليح، صاحب النسب الصحيح، واللسان الفصيح، ثم انصرف، فلما كان في الشهر الثامن دخل عليَّ رجل طويل القامة، مليح الهامة وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا إمام الأبرار، السلام عليك يا حبيب الملك الجبار، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران، فقلت: وما تريد يا موسى؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بمن ينزل عليه القرءان، ويكلمه الرحمن، ويزين به الثقلان، ثم انصرف، فلما كان في الشهر التاسع دخل عليَّ رجل لابس الصوف، وهو بالعبادة موصوف فأشار بيده إلى فؤادي وهو يقول: السلام عليك يا زين الخلائق، السلام عليك يا مظهر الحقائق، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فقلت: ما تريد يا عيسى؟ قال: أبشري يا ءامنة فقد حملت بالنبي الأكرم والعطوف الأرحم، وفي هذا الشهر تضعين محمدًا صلى الله عليه وسلم، فلما دخل شهر ربيع الأول في ثنتي عشرة ليلة خلت منه وهو ليلة الاثنين من الليالي البيض اللاتي ليس فيهن ظلام، وكان عبد المطلب قد خرج يطوف بالبيت هو وأولاده، ولم يبق عند ءامنة ذكر ولا أنثى، وقد أغلق عبد المطلب عليها الباب خوفًا عليها من طارق يطرقها، قالت ءامنة: وبقيت في المنزل وحيدة، إذ سمعت حركة بين السماء والأرض، ورأيت ملكًا عظيمًا بيده ثلاثة أعلام، فنشر الأول على مشرق الأرض، والثاني على مغربها، والثالث على البيت الحرام، قالت ءامنة: لما كانت الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول، أحسست بالذي في بطني يريد النزول، فلحقني البكاء لوحدتي في المنزل، وليس عندي أحد، فنظرت إلى ركن المنزل وقد ظهر منه أربع نساء طوال، كأنهن الأقمار متَّزرات بأُزر بيض، يفوح الطيب من أعطافهن، فقلت لهن: من أنتن اللاتي منَّ الله علي بكنَّ في وحدتي، وفرج بكنَّ كربتي؟ قالت الأولى: أنا مريم بنت عمران، والتي على يسارك سارة زوجة إبراهيم، والتي تناديك من خلفك هاجر أم إسماعيل الذبيح، واللتي أمامك ءاسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فاستبشرتُ بهن وفرحتُ فرحًا عظيمًا، فتقدمت الأولى وقالت: أبشري يا ءامنة من مثلك وقد حملت بسيد أهل الأرض والسماء، ومصباح الدنيا وخاتم الأنبياء والحبيب المصطفى، ثم جلست عن يميني، ثم تقدمت الثانية وقالت: من مثلك يا ءامنة فقد حملت بالحبيب الأعلى والمشفع في الخلق غدًا، أفضل من وطىء الثرى والحصى، ثم تقدمت الثالثة وقالت: يا ءامنة نهنيك بسيد البشر وفخر ربيعة ومضر، ومن ينشق له القمر، ويكلمه الشجر والحجر، ثم تقدمت الرابعة وهي أكبرهن هيبة وأكثرهن بهجة ونادت: يا ءامنة من مثلك وقد خصصت بالمبعوث بالفضائل والمفاخر، صاحب المعجزات والمآثر، ثم جلست بين يدي وقالت: ألقي بنفسك علي وميلي بكليتك إلي، قالت ءامنة: فجعلت أنظر إلى أشباح يدخلون علي أفواجًا يهنئوني وأنا حيرانة، وهم يخاطبونني بخطاب لم أسمع قط أحلى منه ولا أرقّ.
قالت ءامنة: وفي تلك الساعة رأيت الشُّهُب تتطاير يمينًا وشمالا، ورأيت المنزل قد اعتكر علي بأصوات مشتبهات، ولغات مختلفات.
وورد في الأثر أن الله أوحى إلى رضوان: يا رضوان زيّن الجنان وصفّ على غرفها الحور والولدان، فتبادرت بزينتها الحور الحسان، وأشرفت من غرف الجنان فأزهرت الأوراق والأشجار والأغصان، وقطرت قطرات الرحمة على أوراق الأفنان، واهتز العرش طربًا، ومال الكرسي عجبًا، وروي أن الأمين هبط إلى الأرض بالملائكة المقربين.
قالت ءامنة: وسمعت هاتفًا يهتف ويقول: إنك قد حملت بخير البرية وسيد العالمين، فإذا وضعته علقي عليه هذه التميمة قالت: فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب، مكتوب فيها هذه التميمة: "صلاة ربي دائمًا على الرسول الماجد، أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وكل خلق رائد، وقائم وقاعد، عن السبيل حائد، على الفساد جاهد، من نافث أو عاقد، وكل جن مارد، يأخذ بالمراصد في طرق الموارد"، قالت ءامنة: ولم يأخذني ما يأخذ النساء من الطلق إلا أني أعرق عرقًا شديدًا كالمسك الأذفر لم أعهده قبل ذلك من نفسي، فشكوت العطش فإذا بملك ناولني شربة من الفضة البيضاء، فيها شراب أحلى من العسل وأبرد من الثلج وأزكى رائحة من المسك الأذفر، فتناولتها فشربتها فأضاء علي منها نور عظيم، فحرت لذلك وجعلت أنظر يمينًا وشمالا وقد اشتد بي الطلق، فبينما أنا كذلك وإذا أنا بطائر عظيم أبيض قد دخل علي وأمرَّ بجانبة جناحه على بطني وقال: انزل يا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأعانني عالم الغيب والشهادة على تسهيل الولادة فوضعت الحبيب محمدًا صلى الله عليه وسلم.
فانجلى حِنْدِسُ الظلمِ ونطقَ لسان حاله ينشد ويقول:
المصطفى سِرُّ الوجود وأجوَدُ يا سادتي صَلُّوا عليه لتسعدوا
صلى عليكَ الله يا عَلَمَ الهُدَى يا مَن لهُ اسْمهُ أحمدٌ ومحمدُ
وُلِدَ الحبيبُ وخدُّهُ مُتَوَرّدٌ والنورُ مِن وَجَنَاتِهِ يَتَوَقَّدُ
جبريلُ نادَى في منَصّةِ حُسنِهِ هذا مليحُ الوجهِ هذا الأوحَدُ
هذا جميلُ النّعتِ هذا المرتضى هذا جليلُ الوصفِ هذا أحمدُ
وكانت لاثنتي عشرة ليلة خلت منه عام الفيل حين طلع الفجر، قالت ءامنة: فلما خَرج مني خرج معه نور أضاء له قصور بُصرى، وقَد ثبتَ الحديث بذلك، وولد صلى الله عليه وسلم مكحولا مدهونًا مسرورًا مختونًا، وحين ولد سارعت إلى طلعته المباركة ثلاثة من الملائكة مع أحدهم طَست من الذهب، ومع الثاني إبريق من الذهب، ومع الثالث منديل من السندس الأخضر، وغسلوه بماء الرحيق.
قال المؤلف: وأنشد لسان الحال:
الله الله الله يا خالقَ البشرِ **** صل وسلم على المختارِ من مضرِ
يا ليلةَ المولدِ الزهراءِ كم شَرَفًا **** حَوَيتِ بالمصطفى المختارِ من مُضرِ
يا ليلةً ما تُجارى في فضائلِها **** لأنها في الليالي غُرةُ القمرِ
يا ليلةً ما لها في الدهرِ ثانيةٌ **** لأن جوهَرَها فردٌ لذي النظرِ
يا ليلةً من سَنَاها قد حَوَتْ شرفًا **** بالمصطفى سيّدِ الأملاكِ والبشرِ
إن كان موسى سقَى الأسباطَ من حجرٍ فإن في الكفِ معنًى ليس في الحجرِ
إن كان عيسى بَرَا الأعمى بدعوتِهِ **** فكم بتَفْلَتِهِ كم ردَّ من بصرِ
صلى عليكَ إله العرشِ ما صَدَحَتْ **** وُرْقُ الحمامِ وهبَّت نسمةُ السَّحَرِ
قالت ءامنة بنت وهب: فلما وضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم خر ساجدًا لله تعالى.
والملخص من حديث الرضاع الفرد أن القحط لما عم بني سعد، فصار حظهم بمزيد القحط ناقصًا، وضرعهم بنزول الجدب قالصًا، وجليلهم حقيرًا وغنيهم فقيرًا، فارتحل بعضهم إلى مكة لبضاعة الرضاعة ومعهم حليمة مع زوجها الحارث بن رفاعة، وكانت على أتان مقَصّرة من الجهد مرة، ومعها شاة ما تَبِضّ من اللبن بقطرة، وصبي لها من لبن أمه عديم، وهو رضيع ولكنه من العدَم فطيم، لا يجدان شيئًا لغذائه ولا ينامان الليل لبكائه، فلما تفرقوا في مكة حين دخلوا إليها لم تبق امرأة إلا وعُرض صلى الله عليه وسلم عليها، لكن لعدم سعدها تأباه إذا قيل لها تَوفى الله أباه، ولما عُرض على حليمة بهرتها أنواره العظيمة، وشغلتها طلعته البارعة في الجمال، وملكَها حسنه المطلق في الحال، لكن لما ذُكر لها يتمه خطر لها ما تصنع لنا أمه، فأعرضت عنه ونفرت وتولت وإليه نظرت فانصرفت عنه محيّرة، وفي الأخذ وعدمه مفكرة ثم دارت على غيره فلم تر من تضمه إليها فقوي أسعد الخاطرين عليها، وفاجأها الخاطر الأسعد أن تملّى الجمال الحبيب أحمد، فشاورت زوجها أن تأخذه أو تكون ممن تتركُه فأشار بأخذه وقال: عسى أن تكون فيه بركة، فأخذته فسعدت بأخذه ثم لم تسمح بعد ذلك بردّه، ثم إنها عادت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخاطرُها قد سكن، وأقبل عليه ثدياها بما شاء الله من اللبن، وشرب من لبنها حتى تركه من الشبع فأدارته إلى ثديها الأيسر فامتنع إلهامًا من الله تعالى وتحريكًا، كأنه قد علم أن له في ذلك شريكًا فظهر منه حينئذ الإنصاف والفضل لأنه صلى الله عليه وسلم جُبل على الإحسان والعدل فكأن الأيمن يكفيه، والثدي الأيسر لأخيه. ففي أول ليلة من أخذ البشير النذير، قام زوج حليمة إلى الشاة فإذا بها لبن كثير، فحلب منها ما كفاهما شرابًا، وبرّد من جوعهما التهابًا، وفي تلك الليلة حصل لأخيه من الرضاع ما يكفيه، فقرّت بنومه عين أمه وأبيه، فناما أهنأ النوم، وحصل لهما ما لم يحصل للقوم من الخيرات التي أصبحت فيها حليمة غير مشارَكَة، فقال لها زوجها: إني لأرجو أنك قد أخذت نسَمة مباركة، فلما وصلت به إلى المنازل حليمة، فتح الله عليها خَيراتٍ جَسِيمة، فتقدمت أتانها على الدواب حتى ما يلحقها بهيمة، وحين قدِموا أرض بني سعد اهتزت وربَت، وأخْصَبت بعد أن أجْدَبت، وكثرت مواشي حليمة ونَمت، وارتفع قدرُها وسمَت، ولم تزل ببركته تَغرِف الخير والسعادة، وتفوز بالحُسنى وزيادة كما قيل فيها شعر:
لقد بلغَتْ بالهاشمي حليمةٌ **** مقامًا علِيًّا في ذُرى العِز والمجدِ
وزادت مواشيها وأخْصَب رَيْعُها **** وقد عَمَّ هذا السعدُ كلَّ بني سعدِ
وصار صلى الله عليه وسلم يخرج هو وأخوه إلى المرعى إذ جاءه في بعض الأيام جبريل ومعه ميكائيل فأضجعاه وشقا بطنه الكريم كما ورد، وغسّلاه بماء زمزم والثلج والبرد، وخاطاه بإذن ذي الإكرام والجلال، وختما على ظهره بخاتم النبوة في الحال، فخاف أخوه عليه فأتى إلى أمه وقد سقط في يديها وأخبرها بخبر الرسول والملائكة فخافت عليه حليمة بعد ذلك وأعادته إلى أمه وسلمته إليها، وقصت ما جرى عليه وعليها، فقالت: ما على ابني من بأس، فإن الله تعالى يحفظه من الجن والناس، فلما ردته حليمة إلى الوطن جَهّزتها أمه بجَهاز حسن وانصرفت بجفن من الفِراق قَرِيْح، وقلب من الاشتياق جريح، وخاطرها بالحبيب مشغول ولسان حالها ينشد ويقول:
يا دائمَ المعروفِ يا دائمَ المعروفِ **** يا دائمَ المعروفِ يا خيرَ من ذُكِرا
قد أظهرَ الدمعُ مني الآن ما سُتِرا **** وإن تُرِد شرحَ حالي فيهمُ سَتَرا
متيّمًا طار نومي والهمومُ غدت **** ربيعَ قلبي ورَبْعُ الأُنس قد صَفِرا
في مُنحنَى أضلُعي نار الغَضا وُقِدت **** ودمعُ عيني على الخَدينِ منه جَرَا
لا أوحش الله ممن بالحَشَا نزلوا **** ساروا فشَوقي مُقيمٌ والسرورُ سَرا
طويتُ سِرّ الهَوى صَونًا لحُبِهِمُ **** واليومَ بالدَّمعِ كان الطّيُّ قد نُشِرا
غابوا فأمسى جميلُ الصبرِ منفلِتًا **** فأصبح الدمعُ في الأطلالِ مُنحَدِرا
ساروا فسارَت عيوني إثرَ عيسِهمُ **** واليومَ قد صِرتُ لا عَيْنًا ولا أثَرَا
أستودعُ الله في ذاكَ الحِمى قَمرا **** بحُسنه لقلوبِ الناس قدْ قَمرا
رمى فأرمَى جمارَ الشوقِ في كَبِدي **** وللوداعِ وقَفْنا والكَرَى نَفَرا
تباركَ الله ما أجْلاهُ من قَمرٍ **** بنورِ طَلعتهِ قد حَيَّر الشُّعَرا
تُرى تَعودُ ليالي الوَصلِ تَجمَعُنا **** ويَبلُغُ الصَّبُّ من أحبابِهِ وطَرَا
يا قلبُ هذا الذي قد كنتُ أحذَرهُ **** صبرًا على ما قَضَى طَوْعًا لِمَا أمَرا
وفارقته حليمة وأحشاؤها بسيف الشوق كليمة، وأقام بين قومه وأهله، وكل وقت يزيد الله في فضله، وظهر له من الكرامات ما لا يحصى، ومن المعجزات ما لا يحصر استِقْصا.
وكان يشب في الأسبوع شباب الغلمان في شهر، ويشِب في شهر كما يشب الغلمان في سنة كما روَى ذلك ابنُ حبان، ثم ردّته حليمة إلى أمه، ثم ماتت أمه ءامنة وعمره صلى الله عليه وسلم خمسُ سنين وقد قاربت عشرينَ سنة.
ويروى أنّه كان بالبصرة رجل يصنع مولدًا للنبي صلى الله عليه وسلم في كلّ سنة وكان إلى جانبه رجل يهودي فقالت زوجته: ما بال جارنا المسلم يُذهب في كل سنة في مثل هذا الشهر مالا كثيرًا؟ فقال لها: يزعم أنَّ نبيه ولد فيه، فلما نامت تلك الليلة رأت رجلاً عليه جلالة ووقار وهيبة وأنوار وهو بين الصحابة يتبختر كأنه القمر فقالت لأحدهم: من هذا الكثير الأنوار قال: هذا النبي العربي المختار، قالت: أيُكلّمني إذا كلّمتُه؟ قالوا لها: إنه ليس بمتكبّر ولا متجبّر، فقالت اليهودية: يا محمد صلى الله عليه وسلم، فأجابها بعذوبة لسانه: لبّيك، فقالت: تقول لمثلي لبّيك وأنا على غير دينك، فقال لها: ما قلت لك ذاك إلا وقد علمت أن الله قد هداك، فقالت: إنك لنبي كريم وإنك لعلى خلُق عظيم امدُد يدَك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نذرت في نفسها أنها إذا أصبحت تتصدق بجميع ما تملكه فرحًا بإسلامها وتصنع مولدًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظت من منامها رأت زوجها قد هيأ الوليمة وهو في همَّة عظيمة فقالت له: أراك في همّة صالحة، فقال: من أجل الذي أسلَمت على يديه البارحة قالت: من كشف لك عن هذا السرّ وأطلعَكَ عليه قال: الذي أسلمتُ بعدك البارحة على يديه.
ومعنى ذلك أنها كانت تشهدت في اليقظة للدخول في الإسلام.