من كتب العلّامة الهرري كتاب الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة

مختصر كتاب
الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة
قصيدة البردة

الكواكب الدرية

couv-c100-africa قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ لا يُبدأُ فيه بحمد الله فهو أقطع" أي ناقص البركة.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أمِن تَذكُّر جِيرانٍ بذِي سَلَم
   ****مزَجْتُ دمْعًا جَرى من مُقْلَةٍ بدَم
أم هَبّتِ الرّيحُ من تِلقاءِ كاظمةٍ
   ****وأومضَ البَرقُ في الظَّلماءِ من إِضَمِ
فما لعَيْنَيكَ إن قلتَ اكفُفا همَتا
   ****وما لقَلبِك إن قلتَ استَفِقْ يَهِمِ
أيَحسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحبَّ مُنْكَتِمٌ
   ****ما بينَ منسَجِمٍ منه ومُضْطَرمِ
لولا الهَوى لم تُرِق دمعًا على طلَلٍ
   ****ولا أرِقْتَ لذِكْرِ البانِ والعَلَمِ
فكيف تُنْكِرُ حُبًّا بعدَما شَهِدَتْ
   ****بهِ عليكَ عُدولُ الدَّمعِ والسَّقَمِ
وأثْبَتَ الوَجْدُ خَطَّى عَبرةٍ وضَنا
   ****مثلَ البَهَار على خَدَّيكَ والعَنَمِ
نَعَمْ سَرَى طَيْفُ من أَهْوَى فَأَرّقَنِي
   ****والحُبُّ يعترضُ اللّذّاتِ بالأَلَمِ
يا لائِمِي في الهَوى العُذْريّ مَعْذِرةً
   ****مِنّي إليكَ ولو أَنْصَفْتَ لم تَلُمِ
عَدَتْكَ حَاليَ لا سِرّي بمُسْتَتِرٍ
   ****عن الوُشاةِ ولا دائي بِمُنْحَسِمِ
مَحَضْتَني النُّصْحَ لكن لستُ أسمَعُهُ
   ****إنّ المحبَّ عن العُذَّالِ في صَمَمِ
إني اتَّهَمْت نَصِيحَ الشيبِ في عَذَلِي
   ****والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عن التُّهَمِ
فإنَّ أَمَّارتي بالسوءِ ما اتَّعَظَتْ
   ****من جَهْلِها بنَذِيرِ الشَّيْبِ والهَرَمِ
ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفعلِ الجميلِ قِرى
   ****ضَيفٍ ألَمَّ برأسي غيرَ مُحْتَشِمِ
لو كنتُ أعلمُ أني ما أوقّرهُ
   ****كَتَمتُ سِرًّا بَدَا لي منهُ بالكَتَمِ
مَنْ لي بِرَدّ جَمَاحٍ من غَوَايَتِها
   ****كما يُرَدُّ جِمَاحُ الخَيلِ باللُّجُمِ
فلا تَرُمْ بالمَعَاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها
   ****إنّ الطعام يُقَوّي شَهْوَةَ النَّهِمِ
والنفسُ كالطفل إن تُهمله شَبَّ على
   ****حُب الرَّضَاع وإن تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فاصْرِفْ هواها وحاذِرْ أنْ تُوَلّيَهُ
   ****إن الهوى ما تَوَلّى يُصْمِ أو يَصِمِ
ورَاعِها وَهْيَ في الأعمال سائمةٌ
   ****وإن هي اسْتَحْلَتِ المَرعى فلا تُسِمِ
كم حَسَّنَتْ لَذَّةً للمرءِ قاتلةً
   ****مِنْ حَيثُ لم يدرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ
واخشَ الدَّسَائسَ من جوع ومن شِبَعٍ
   **** فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شرٌّ من التُخَمِ
واسْتَفْرِغ الدَّمعَ من عينٍ قدِ امتلأتْ
   **** مِنَ المحارمِ والزمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ
وخَالِفِ النفسَ والشيطانَ واعْصِهِما
   **** وإن هما مَحَضَاكَ النُّصْحَ فاتّهِمِ
فلا تُطِعْ منهما خَصمًا ولا حَكَمًا
   **** فأنت تَعرفُ كيدَ الخَصْمِ والحَكَم
أستغفرُ الله من قولٍ بلا عَملٍ
   **** لقد نَسَبْتُ بِهِ نسلا لِذي عُقُمِ
أمرتُكَ الخيرَ لكن ما ائتَمرتُ به
   **** وما استقَمتُ فما قولي لكَ استقِمِ
ولا تزَودتُ قبلَ الموتِ نافلةً
   **** ولم أُصَلّ سوى فرضٍ ولم أصُمِ
وراودته الجبالُ الشُّمُّ من ذهَب
   **** عن نفسهِ فأراها أيَّ ما شَمَمِ
وأكّدَت زهدَهُ فيها ضَرورتُهُ
   **** إنّ الضَّرورةَ لا تَعْدُو على العِصَمِ
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ مَنْ
   **** لولاهُ لم تُخْرَجِ الدُّنيا منَ العَدَمِ
محمدٌ سيدُ الكونين والثقلين
   **** والفَريقينِ من عُرْبٍ ومن عَجَمِ
نبينا الآمِرُ النَّاهي فلا أحدٌ
   **** أَبَرَّ في قولِ لا منه ولا نَعَمِ
هو الحبيبُ الذي تُرجى شفاعتُه
   **** لكُلّ هَوْلٍ من الأَهْوالِ مقتَحِمِ
دعا إلى الله فالمستَمسِكُون به
   **** مستَمسِكُونَ بحَبْلٍ غَيرِ منفَصِمِ
فاق النبيّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ
   **** ولم يدانُوه في عِلْمٍ ولا كَرمِ
وكُلُّهم من رسول الله ملتَمِسٌ
   **** غَرفًا من البَحْر أو رَشْفًا منَ الدّيَمِ
فهْو الذي تمَّ معناه وصورتُه
   **** ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَمِ
منزَّهٌ عن شريكٍ في محاسنِه
   **** فجوهر الحُسن فيه غيرُ منقَسِمِ
دع ما ادَّعتْه النصارى في نَبيّهِم
   **** واحكُم بما شئتَ مَدْحًا فيه واحْتَكِمِ
وانسُب إلى ذاتِه ما شئتَ من شرفٍ
   **** وانسُب إلى قَدْرِه ما شئتَ من عِظَمِ
فإنّ فضلَ رسول الله ليسَ له
   **** حدٌّ فيُعرِبَ عنه ناطقٌ بفَمِ
لم يمتحِنّا بما تَعْيَى العقولُ به
   **** حِرْصًا علينا فلم نَرْتَبْ ولم نَهِمِ
أعْيَى الورَى فهْمُ معناه فليس يُرى
   **** للقُرب والبُعْد فيه غَيرُ مُنْفَحِمِ
كالشمسِ تظهر للعينين مِن بعدٍ
   **** صغيرةً وتُكِلُّ الطّرف من أَمَمِ
وكيفَ يدرِكُ في الدنيا حقيقتَه
   **** قومٌ نِيامٌ تسَلَّو عنه بالحُلُمِ
فمَبلغُ العلمِ فيه أنه بشَرٌ
   **** وأنه خَيرُ خلقِ الله كلِهمِ
أكْرِم بخَلقِ نبي زانَه خُلُقٌ
   **** بالحُسنِ مشتَملٍ بالبِشرِ متَّسِم
أَبانَ مولِدُه عن طيبِ عُنصُرِه
   **** يا طيبَ مُبتَدَءٍ منه ومختَتَمِ
يومٌ تفَرَّسَ فيه الفُرْس أنّهُمُ
   **** قد أُنذِروا بحلول البؤسِ والنِّقَمِ
وبات إيوانُ كِسرى وهْو مُنْصَدِعٌ
   **** كَشَمْلِ أصحابِ كِسرى غيرَ مُلْتَئِمِ
والنار خامدةُ الأنفاس منْ أسفٍ
   **** عليه والنهرُ ساهي العينِ من سَدَمِ
وسَاءَ ساوة أن غاضَت بُحَيْرَتُها
   **** ورُدَّ واردُها بالغَيظ حِينَ ظَمِي
كأنّ بالنار ما بالماء من بلَل
   **** حُزنًا وبالماء ما بالنّارِ من ضَرَمِ
والجِنُّ تهتِفُ والأنوارُ ساطعةٌ
   **** والحقُّ يظهر مِن معنًى ومِن كَلِمِ
مِن بعد ما أخبر الأقوامَ كاهِنُهم
   **** بأن دينَهمُ المُعوَجّ لم يَقُمِ
وبعدما عاينوا في الأفْقِ من شُهُب
   **** منقَضَّةٍ وَفْقَ ما في الأرض من صَنمِ
حتى غدا عن طريق الوحي منهزمٌ
   **** من الشياطين يقفُوا إثْر منهزمِ
كأنهم هَربًا أبطالُ أَبْرَهَةٍ
   **** أو عَسكرٍ بالحصَى من راحتَيه رُمِي
نَبذا به بعد تسبيحٍ ببطنهِما
   **** نَبذَ المُسَبّح مِنْ أحشاءِ ملتَقِمِ
جاءت لدَعوتِه الأشجارُ ساجِدةً
   **** تَمشي إليه على سَاقٍ بلا قَدمِ
كأنّما سطَّرَت سطْرًا لِما كتَبت
   **** فروعُها من بَدِيع الخَط في اللّقَمِ
مثلُ الغَمامة أنّى سارَ سائرةٌ
   **** تَقِيْه حرَّ وطيسٍ للهَجِير حَمِي
وما حوى الغارُ من خيرٍ ومن كَرَمٍ
   **** وكلُّ طَرْفٍ منَ الكفّار عنه عَمِي
فالصّدقُ في الغار والصّدِيقُ لم يُرَيا
   **** وهم يقولونَ ما بالغارِ مِن إرَمِ
ظنّوا الحمامَ وظنوا العنكبوتَ على
   **** خَيرِ البريّة لم تَنسُج ولم تَحُمِ
وِقاية الله أغنَت عن مضَاعفَةٍ
   **** منَ الدروعِ وعن عالٍ منَ الأُطُمِ
لا تُنكِر الوحي من رؤياه إن له
   **** قلبًا إذا نامت العَيْنانِ لم يَنَم
فذاك حينَ بلوغٍ من نبُوته
   **** فليس يُنكَرُ فيه حالُ مُحتَلِمِ
تباركَ الله ما وحي بمكتَسَب
   **** ولا نبيٌّ على غَيب بمتّهَمِ
كم أبْرَأَت وصِبًا باللمسِ راحَتُه
   **** وأطلقت إرَبًا من رِيقِه اللّمَمِ
وأحْيَت السنَة الشَّهباءَ دعوتُه
   **** حتى حكَت غُرّة في الأعْصُر الدُهُمِ
بعارضٍ جادَ أو خِلْتَ البِطاحَ بها
   **** سَيْلٌ من اليم أو سَيْلٌ مِن العَرِمِ
دَعْني ووصْفيَ ءاياتٍ له ظَهرت
   **** ظُهورَ نارِ القِرى ليلا على عَلَمِ
ءاياتُ حقّ من الرحمن مُحدَثةٌ
   **** قديمةٌ صفةُ الموصوفِ بالقِدَمِ
لم تقترن بزمانٍ وهْي تُخبِرنا
   **** عن المَعاد وعن عادٍ وعن إرَمِ
دامَت لدينا ففاقت كلَّ معجزة
   **** من النبيينَ إذْ جاءَت ولم تَدُمِ
ما حُورِبت قطُّ إلا عادَ من حرَبٍ
   **** أعدَى الأعادي إليها مُلقِيَ السَلَمِ
رَدّت بلاغَتُها دَعوى مُعارضِها
   ****ردَّ الغَيُور يدَ الجاني عن الحُرَمِ
لها معَانٍ كمَوجِ البحرِ في مَدَدٍ
   ****وفَوقَ جَوهرِه في الحُسن والقِيَمِ
فما تُعَدُّ ولا تحصى عجائبُها
   ****ولا تُسَامُ على الإكْتَارِ بالسَّأَمِ
ومن يكن برسولِ الله نُصرتُه
   ****إن تَلْقَه الأُسْدُ في ءاجامها تَجِمِ
أحَلَّ أمتَه في خَرْزِ مِلَّتِهِ
   ****كالليثِ حلَّ مع الأشبالِ في أَجَمِ
كم جَدّلَت كلماتُ الله من جَدَلٍ
   ****فيه وكم خَصَمَ البرهانُ من خَصِمِ
كفَاكَ بالعلمِ في الأمّي معجزةً
   ****في الجاهليةِ والتأديبِ في اليُتُمِ
خَدمتُه بمديحٍ أسْتَقِلُ به
   ****ذنوبَ عُمْرٍ مضى في الشّعر والخَدَم
إذ قَلّدانيَ ما يُخشَى عواقبُه
   ****كأنني بِهما هَدْيٌ منَ النَّعَمِ
إن ءات ذنبًا فما عَهدي بمنتقِض
   ****من النبي ولا حَبلي بمنصَرِمِ
فإن لي ذِمّةً منه بتَسميتي
   ****محمدًا وهو أوفى الخلقِ بالذممِ
يا ربّ بالمصطفى بَلّغ مَقَاصِدَنا
   ****واغفر لنا ما مضى يا واسِعَ الكَرَمِ