من كتب العلّامة الهرري كتاب الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة

مختصر كتاب
الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة
تنبيه مهم

الكواكب الدرية

couv-c100-africa لما كان أكثر الناس لا يحسنون علم العقيدة بحيث إنه يخفى على كثير منهم تنزيه الله عن الجسمية أي عن كونه جسمًا كثيفًا كالإنسان والشمس والقمر وعن كونه جرمًا لطيفًا كالنور والظلام والروح وعن صفات هذه الأجسام كالحركة والسكون والتحيز في المسافة ويجهلون تنزيه الله عن حدوث الصفة له، لا يعلمون أن الله كل صفاته أزلية أبدية لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير، وأن علمه وقدرته ومشيئته أي إرادته وسمعَه وبصرَه وكلامَه ليس كعلم المخلوق وقدرة المخلوق ومشيئة المخلوق وسَمْع المخلوق وبصر المخلوق وكلام المخلوق حذفنا في هذا الاختصار بعض الأبيات التي يفهم منها الجاهل معنًى فاسدًا كهذا البيت من البُردة:
ولن يضيق رسول الله جاهُكَ بي **** إذْ الكريمُ تَجلَّى باسم منتقم
لأنهم يفهمون من هذا نسبة الظّهور بعد الخفاء أي يظنّون أن الله تعالى كان مستورًا عن الأعين بحجاب ثم كشف هذا الحائل الذي بينه وبين الخلق مع مسافة بين الله وبين الخلق يوم القيامة، حتى إني رأيت فيما مضى رجلين يقرأ أحدهما البردة يقول: يقال تجلى ويقال تحلى ومعنى تحلى تزين، وكان ذانك الرجلان ممن بدءا طلب العلم، وهذا خلاف عقيدة أهل السنة، فإن أهل السنة قالوا في كتب التوحيد إن الله يُرى يوم القيامة لا كما يرى المخلوق أي يرونه بلا مسافة بينه وبينهم لا مسافة قريبة ولا مسافة بعيدة ولا جهة من الجهات ولا في سائر الجهات أي أن الله لا يرونه وهو في مقابلتهم من جهة الأمام أو من جهة فوق كما يرى المخلوق الذي هو في جهة فوق كالسماء والشمس والقمر ولا في جهة تحت ولا جهة اليمين والشمال ولا في جهة الخلف، لأن الذي يكون في إحدى هذه الجهات مخلوق له مقدار مخصوص، ولا هو يُرَى في جميع الجهات حين يراه المؤمنون لما يستقرون في الجنّة، لا يرونه وهو في جهة واحدة ولا هو في جميع الجهات الست.
وقد رأيت رجلاً كبيرًا حين كنت أدرّس مرّة في التوحيد فشرحت لهم أن الله لا يشبه شيئًا ولا يتحيَّز في جهة من الجهات فقال ذلك الرجل: أليس قال الرسول إن المؤمنين يرون الله يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر؟ قلت له: أنت فهمت الحديث على غير معناه، الحديث معناه أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة من غير أن يشكّوا أن الذي رأوه هو الله كما أن الذي يرى القمر ليلة البدر لا يشك أن الذي رءاه هو القمر، وليس معناه أن الرسول شبَّه الله بالقمر، فلما رأيته شبَّه الله بالقمر قلت له: هذا كفر تشهد، فتشهد.
ومراد صاحب البُردة بقوله: "إذْ الكريم تجلى" أزال المانع المعنوي عن قلوب المؤمنين ليرَوه ليس المانع الحسّيَّ.
وأما كتاب الصلوات المسمّى تنبيه الأنام ففيه الكثير من الأحاديث التي لا أصل لها وفيه كلام قبيح كقوله إن سيّدنا محمدًا وطِىء بِساط الربوبية بأقدامه، الربوبيةُ صفةٌ لذات الله خاصّة ليست بساطًا مفروشًا تحت العرش ولا في سماء من السموات ، وكذلك فيه هذا الحديث المكذوب على الرسول: "أهن من أهانك ولو كان حرًّا قرشيًّا، وأكرم من أكرمك ولو كان عبدًا حبشيًّا" فإن الرسول لا يأمر بمقابلة الإهانة بالإهانة بل يأمر بالصفح والعفو قال عليه الصلاة والسلام في حديث لأبي جُرَيّ الهُجَيْمِيِ: "إن عَيَّركَ أحَدٌ بما يعلَمه فيكَ فلا تعيّره بما تعلَمهُ فيه" قال أبو جُرَيّ رضي الله عنه: "فما سبَبْتُ بعدَ ذلك أحدًا"، وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي أن الجنيد رضي الله عنه أوصى بدفن كتبه أي التي ألفها في التصوف فقيل له لماذا فقال: "أحببتُ أن لا يراني الله وقد تركت شيئًا منسوبًا إليَّ وعِلْم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم"، والجنيد هو سيد الطائفة الصوفية وكان تصوفه تصوّفًا صحيحًا لا يخالطه شىء من سَقطات بعض الصوفية، لذلك اتخذته الصوفية قدوة وإمامًا يُحْتَذَى به، إعترف بفضله أهل السنة وغيرهم حتى إن ابن تيمية قال فيه إنه إمام هدى وابن تيمية بِدْعيٌّ مشبِّه مجسّم.
وقد حذفنا أشياء و أحاديث ليس لها أصل وكذا حكايات لا مستند لها من كتاب "الفتح الرحماني" ومن كتاب "الصلوات الكبير"، ومن كتاب "المولد" المشهور في بلادنا.
والله أعلم وبالله التوفيق