من كتب العلّامة الهرري كتاب الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة

مختصر كتاب
الكواكب الدرية في مدح خير البرية المسماة بالبردة
اختصره المحدّث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري
غفر الله له ولوالديه

الكواكب الدرية

couv-c100-africa بسم الله الرحمن الرحيم، المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وءاله وصحبه الطيبين.
قال مختصره العلامة الفقيه المحدث اللغوي الشيخ عبد الله الهرري الأشعري الشافعي الرفاعي القادري رحمه الله:
اعلم رحمك الله أنه مع عظم فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فالاشتغال بعلم الدين أفضل، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذر لأن تغدوَ فتتعلم ءاية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتتعلم بابًا من العلم خير لك من أن تصلي ألف ركعة" أي من النفل، وهو حديث ثابت حسن رواه ابن ماجه وغيره.
فهذا الحديث يدل على أن غدوَّ الشخص أي ذهابه إلى عالِم فيتعلم بابًا من العلم أفضل من ركعات التراويح والوتر في رمضان كله، لأن عددها في ثلاثين ليلة ستمائة وتسعون، فيكون معنى الحديث أن الذي يغدو إلى عالِم فيتعلم باب الاستنجاء أو باب التيمم أو باب الأذان أو باب غسل الجنابة أو باب الوضوء أو غير ذلك أفضل من هذه الركعات الستمائة والتسعين التي هي ركعات التراويح مع الوتر، وفضل الاشتغال بالعلم درجة عالية.
ثم إن أمور الدين ليست في مرتبة واحدة بل بعضها أهم من بعض والعبرة بموافقة الأعمال شريعة رسول الله وهذا لا يُعرف إلا بالعلم، فالعلم هو الذي يُعرف به ما هو الأفضل ثم الأفضل من الأعمال، وصرف أكثر الوقت بالعلم خير من صرفه بالمدائح والصلاة على النبي ونحو ذلك، فقد جاء في سنن ابن ماجه أن الرسول دخل المسجد فوجد حلقتين حلقةً تذكرُ الله وحلقةً يتذاكرون في العلم فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الحلقة التي يتذاكرون في العلم وقال: "كلا المجلِسَين على خير ولكن هذا المجلِسُ أفضل"، وقد قال الإمام النووي رحمه الله: "إن الاشتغال بالعلم أولى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات" أي أفضل ما شُغِلت به الأوقات الطّيبة، فالعلمُ حياةُ الإسلام.
وهو السلاح لدَفع شُبَه المفسدين من وهابية وغيرهم، فالرجل الذي لا يتَسَلَّح بسلاح العلم مهما كان متعبّدًا ومهما كان مكثِرًا للذكر فهو عُرضَةٌ لأن تشوِش الوهابية خاطره فتميله إليهم لأنهم يقولون قال الله تعالى كذا فيضعون الآية في غير محلها ويقولون قال رسول الله كذا فيضعون الحديث في غير محلّه، وقد يوردون الأحاديث الضعيفة والأحاديث الباطلة فمن ليس له علم بذلك يتبعهم أو يتشَكَّك، يبقى حائرًا.
ثم إن كل الأعمال لا تقبل إلا أن توافق الشرع، وموافقة الشرع وعدم موافقته لا يُعرف إلا بالعلم، فلأجل هذا ينبغي صرف أكثر الوقت في العلم. والعلم لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء، ولا تكفي مطالعة الكتب بغير تلقٍّ من أفواه العلماء، بل كثير من الناس الذين يضلون سبب ضلالهم أنهم لا يتلقون علم الدين من أفواه العلماء بل يعتمدون على المطالعة في مؤلفات العلماء، قال الإمام الحافظ الفقيه الشافعي الخطيب البغدادي: "من أخذ الحديث من الكتب لا يسمى محدّثًا بل يسمى صحفيًّا، ومن أخذ القرءان من المصحف يسمى مصحفيًّا ولا يسمى قارئًا"، وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه: "أفضل العلمِ العلمُ بالله ورسولهِ وأمورِ دينه" اهـ. وأهم العلوم علم العقيدة فقد قال العلماء: يجب على طريق فرض الكفاية أن يكون في المسلمين من يقوم ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة بدلائلها العقلية والنقلية لدفع تشكيكات المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ويجعلون الله جسمًا يسكن ويتحرك وينزل ويطلع، ويقولون إنه متحيز في جهة فوق، وإبطال عقيدة المعتزلة الذين يقولون العبد هو يخلق أفعاله الاختيارية ليس الله يخلقها.
واليوم توجد من المشبهة الوهابية الذين يقولون إن الله جسم قاعد على العرش ينزل بذاته كل ليلة إلى السماء الدنيا ويمكث في السماء الدنيا ثلث الليل الأخير ثم يرجع إلى السماء بعد طلوع الفجر، ويكفِّرون من يتوسل بالرسول أو الأولياء، ويكفِّرون من يقول: يا محمد أو يا عبد القادر فيعتبرونه كافرًا حلال الدم، لذلك يقتلون الناس في الجزائر لغير سبب شرعي وفي الشيشان وفي اليمن وفي مصر، فإذا لم يوجد من يقدر دَفْعَ شُبَهِ هؤلاء المشبهة والذين يقولون بقول المعتزلة بالدليل النقلي والدليل العقلي يؤثر هؤلاء على من لا يعرف الدليل فيخرجونهم من عقيدة الإيمان إلى عقيدة الكفر من حيث لا يشعرون، وقد قال شيخ الوهابية المدرّس منذ سنتين تقريبًا بالمدينة المنورة: ثلاثة أرباع المسلمين كفار لأنهم يقولون: يا محمد، يا عبد القادر، وقالت الوهابية في هرر جماعة إبراهيم حسن: هرر وما فيها مشرك، فالذين يشتغلون بقراءة القرءان وكثرة الصلاة على النبي وكثرة الصلاة والتهجد مع الجهل لا يستطيعون ردَّ هؤلاء، إنما يستطيع من أتقن عقيدة أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة شىء من خلقه، وعقيدة أنه لا خالق إلا الله بالبرهان من جهة العقل ومن جهة النقل.
وها أنا أؤكد عليكم نصيحتي بالاشتغال بالعلم وصرف أكثر أوقاتكم له بدل أن تصرفوا أكثر أوقاتكم في قراءة كتاب الفتح الرحماني وكتاب تنبيه الأنام وكتاب المولد، فإن ذكر الله أفضله لا إله إلا الله ويمكن الشخص أن يُكثر منه وهو سائر في الطرقِ، وهو مضطجع على جنبه للنوم إلى أن يُغفيَ، وكذلك الصلاة على النبي يُكثر أحدكم وهو ماشٍ في الطرق أو مضطجع على جنبه للنوم.
ثم إنه يشترط لحصول ثواب الصلاة على النبي تصحيح حرف الصاد مميزة عن السين، فمن لا يميّز بينهما في النطق فلا ينال ثواب الصلاة على النبي، كذلك يشترط عدم زيادة الياء في كلمة "صلّ" كما يزيد بعض الناس، قال العالم الفقيه طه عمر بن طه عمر الحضرميُّ الشافعيُّ الذي كان من أهل القرن الحادي عشر في كتاب المجموع لمهمات المسائل من الفروع (ص/97) ما نصه: "وقال عبد الله بن عمر: من قال في تشهده اللهم صلي بالياء لم يجزه ولو جاهلاً أو ناسيًا بل العامد العالم بالعربية يكفر به لأنه خطاب مؤنث" اهـ.
وهذا كثير في الحبشة يقولون اللهم صلّي وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله يزيدون ياء في صلّ بعد اللام، فإن المعنى يتغير بزيادة الياء فيكون تأنيثًا لله تعالى وهذا كفر.
والعناية بحفظ مخارج الحروف أمر مهم، فقد رأى سيدنا عمر رضي الله عنه رجلين يرميان الهدف فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فقال الذي أخطأ للذي أصاب: "أسَبْتَ" بالسين، فقال سيدنا عمر: "خطؤك في كلامك أشد من خطئك في الرماية"، لأن الرجل قال أسبت بالسين بدل أن يقول أصبت بالصاد، فإذا كان سيدنا عمر استقبح هذا الغلط في أمر الرماية بين اثنين فكيف الغلط في ذكر الله؟!
وقد ورد في فضل الصلاة على النبيّ أحاديث قوية الإسناد وأحاديث ضعيفة وأحاديث لا أصل لها، ومن الصحيح منها حديث: "مَن صلى عليَّ مرةً صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلّى عليَّ عشرًا صلى الله عليه بها مائة".
وحديث: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ" رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سَرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على ءال إبراهيم إنك حميد مجيد".
وروى الحافظ السخاوي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى عليَّ عصر يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين عامًا".
ثم إن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فرادى وجماعة قربة إلى الله وعمل مقبول ليس بدعة سيئة كما تقول الوهابية، فقد ثبت مدح الرسول جماعة في حديثين صحيحين أحدهما حديث رواه الإمام أحمد في المسند أن الحبشة كانوا يزفنون (يرقصون) في مسجد رسول الله ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح فقال رسول الله: "ماذا يقولون" فقيل له إنهم يقولون محمد عبد صالح. وروى البزار في مسنده أن الحبشة كانوا يَزْفِنُون - أي يرقصون - ويقولون أبا القاسم طيبًا، فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بين رقصهم ومدحه، ومدح الرسول عبادة.
وأما المدح فرادى فمن ذلك ما رواه الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر وغيرهما أن العباس بن عبد المطلب عمَّ رسول الله قال: قلت: يا رسول الله إني امتدحتك بأبيات، فقال رسول الله: "قلها لا يَفْضُضِ (هذا دعاء له بأن يحفظ الله له أسنانه) الله فاك" قال: فأنشدتها فذكر قصيدة أولها:
من قبلها طبتَ في الظِّلال وفي **** مُستَودَعٍ (حين كنت في ظهر ءادم) حين يُخْصَفُ الوَرق
وفي ءاخرها:
وأنت لما وُلدتَ أشرقت الأرض **** وضاءت بنُورك الأفقُ
وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مرّ ببعضِ المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفّهِنّ ويتغنين ويقلنَ:
نحن جوار من بني النّجارِ **** يا حبَّذا محمدٌ من جارِ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يعلم أنّي لأحبكنّ". قال الحافظ البوصيري: "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
وهذا فيه دلالة على مشروعية مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والضرب بالدف.
هذا هو الحق الذي يعتقده المسلمون من أيام الرسول إلى الآن لكن هذه الوهابية التي ظهرت منذ نحو مائتين وخمسين سنة تقريبًا قامت بإنكار مدح الرسول فصارت تشنع على من يمدح الرسول، كيف تجرؤوا على ذلك لو كان فيهم فهم لعرفوا أن قول الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ [سورة الأعراف] كافٍ في ذلك لأن معنى عزروه عظَّموه، الله تبارك وتعالى مدح الرسول أحسن من مدح غيره قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم]، وقيل: إنه رؤي بعض الصالحين بعد وفاته في المنام وكان معروفًا بإنشاد المدائح في الله تعالى فقيل له: لماذا لم تقل في مدح رسول الله مدحًا فقال:
أرى كل مدح في النبي مقصَّرًا وإن بالغَ المُثني عليه وأكثرا
إذا الله أثنى في الكتاب المنزلِ **** عليه فما مقدار ما تمدحُ الورى