بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

جامع الخيرات

couv-c100-africa الحمدُ لله خلقَ الإنسانَ وعلَّمَهُ البيانَ وأرسلَ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بالـهُدى والفُرقان وصلى الله وسلَّمَ على النبيِّ الـمعلِّمِ مـحمدِ بنِ عبدِ اللهِ القُرشيِّ الـهاشِـميِّ القائلِ فيما رواهُ الترمذيُّ وغيرُهُ: "مَنْ سَلَكَ طريقًا يَطْلُبُ فيهِ عِلمًا سَهَّلَ اللهُ لهُ بهِ طريقًا إلى الـجنةِ"اهـ ورضيَ اللهُ عنِ الصحابةِ والآلِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ مَنْ نَقلُوا إلينَا الدِّينَ واجتَهِدُوا في نشرهِ بالسِّنانِ والبيانِ.
أما بعدُ، فإنَّ منَ الأمورِ الـمُهمةِ نَشْرَ عِلمِ الحالِ بينَ العامةِ وتعليمَهُم ما فَرَضَ اللهُ على كلِّ مكلفٍ تَعَلُّمَهُ من عِلْمِ الدِّينِ وقدْ غَفَلَ عنِ القيامِ بـهذهِ الفريضةِ الـمُؤكَّدَةِ أكثرُ الـمُنتَسبينَ إلى العلمِ واقْتَصَروا على تَفْقِيهِ طَائِفَةٍ خاصةٍ مِـمَّنْ يترَدَّدُ إليهم وقدْ لفَتَتْ هذهِ الثغرةُ نَظَرَ شَيْخِنَا الإمامِ الـمُحَدِّثِ الفقيهِ الأصولـيِّ الـمُتكلمِ عبدِ اللهِ بنِ مـحمدِ بنِ يوسُفَ القُرشيِّ العبدريّ الشَّيبيّ الـمشهورِ بالـهرريّ رحِـمَهُ اللهُ تعالى فأقبلَ بكُلِّـــيَتِهِ يُـحاوِلُ سدَّها واجتَهَدَ إلى موتِهِ رضيَ اللهُ عنهُ في بَثِّ الفرضِ العَينـيِّ من علمِ العقائدِ وفروعِ الفقهِ بينَ الناسِ صغيرِهِم وكبيرِهِم وذَكَرِهِم وأُنْثَاهُم بلغةٍ فصيحةٍ واضحةٍ سهلةٍ وبأسلوبٍ مُشَوِّقٍ لا يـخرجُ معَ ذلكَ إلى تشتيتِ قلبِ الـمُستَمعِ عنِ الـموضوعِ الأساسِ ولا إلى إثقالِ ذِهنِهِ بأمورٍ كثيرةٍ مُـختلفةٍ، فَعَلَ ذلكَ رحِـمَهُ اللهُ من غيرِ تطْويلٍ مُـمِلٍّ ولا تقصيرٍ مُـخِلٍّ ومعَ تَضمينِ هذهِ الدروسِ منَ التحقيقاتِ التـي تُشَدُّ بُطونُ الإبلِ في تـحصيلِها فكانَتْ دُروسُهُ التـي يُلقيها في الـمساجدِ الـمُختلفةِ نُزهَةً للعينِ ومُتعةً للأذنِ ومَنفعةً للقلبِ ونَفَعَ اللهُ بـها خَلْقًا لا يُـحْصَونَ. وهوَ قدْ دَرَجَ في ذلك على عادةِ السلفِ والخلفِ فقد كانَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما يُفَقِّهُ النَّاسَ في الضرورياتِ في شهرِ رمضانَ كلَّ سنةٍ عندما كانَ وَالِيًا على البَصرةِ. وكانتِ العادةُ في مدينةِ هرَرَ بلدِ شَيْخِنَا رحِـمَهُ اللهُ وحاضرةِ العلمِ في ذلكَ الوقتِ في بلادِ الصومالِ والحَبشةِ أن يأتيَ الفلَّاحُ مِنْ عَمَلِهِ إلى بيتِهِ فيتَنَظَّفَ ويتَطَهَّرَ ثمَّ يَقْصِدَ الـمَسجدَ فيسْتَمِعَ إلى دُروسِ العلمِ فيهِ كلَّ يومٍ وكانَ في هررَ في ذلكَ الوقتِ تسعةٌ وتِسعونَ مسجدًا يُدرِّسُ في كلٍّ منها عالِـمٌ بينَ المغربِ والعِشاءِ فلا يـمضِي على هذا الفلاحِ سِنُونَ حتـى يتخرَّجَ عالِمًا منَ العُلماءِ اهـ.
انطِلاقًا مِـمَّا تقدَّمَ أحْبَبْنَا أن نَـجْمَعَ في هذا الكتابِ دُروسًا كانَ أعطاهَا شيخُنَا رحِـمَهُ اللهُ في مساجدَ مُـختلفةٍ وفي أوقاتٍ مُتفرِّقةٍ لتكونَ بيَدِ الـمُدرِّسِ مَرْجَعًا يُسَهِّلُ لهُ تعليمَ العامَّةِ ويُساعِدُهُ في التَّثَبُّتِ وزيادةِ التأكُّدِ ولِتَكُونَ في الوقتِ عَيْنِهِ دليلاً للأجيالِ على منهَجِ ذلكَ العالِـمِ الـمُرشِدِ. وحَرَصْنَا أنْ نذكُرَ في بدايةِ كلِّ درسٍ مَوضوعَهُ وكذا مكانَ إلقائهِ وزمانَهُ إنْ عرَفْنا وأن نُثَبِّتَهُ كمَا نقَلَهُ مَنْ سَـمِعُوهُ من غيرِ اعتمادٍ على التسجيلاتِ الصوتيةِ في ذلكَ إذْ ربَّـما سَبَقَ اللسانُ بـخطإٍ أو عِبارةٍ مُوْهِـمةٍ فتمَّتْ مُراجعةُ الشيخِ بعدَ ذلكَ فيها مِنْ قِبَلِ السامِعينَ فغيَّـرَها وفَاتَ تسجيلُ ذلكَ بالصوتِ.
هذا ولـم نُثبِتِ الفُرُوقَ بينَ النُّسَخِ إذْ هيَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ في الـمعنى، والـمنقولُ صحيحُ المعنى على كلِّ حالٍ. وقد ألْـحَقنا بـهذهِ الدروسِ قِلَّةً قليلةً منْ دروسِ الشيخِ الشهيدِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى نزارِ بنِ رشيدٍ الـحلبيّ أَبرزِ طُلابِ شيخِنَا الهرريِّ رحِـمَهُما اللهُ تعالى مِـمَّا تَلَقَّاهُ منْ شيخِهِ وسَلَكَ فيها مَسْلَكَهُ من حيثُ إيصالُ الفائدةِ للعامَّةِ صحيحةً بأسلوبٍ سَهْلٍ وواضحٍ، واللهُ تعالى الـمُوَفِّقُ.