من كتب العلّامة الهرري كتاب إتحاف الخيرة

المجلسُ السابع
من صحيح ابن حبّان
كونوا من أبناءِ الآخرةِ ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا

إتحاف الخيرة

couv-c100-africa الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلى اللهُ وسلَّمَ على محمدٍ وءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ وبعدُ فقد رُوينا بالإسنادِ المتصلِ إلى صحيحِ ابنِ حبانَ رحمهُ اللهُ من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيِّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بالأسواقِ جِيفَةٍ بِالليل حِمارٍ بالنَّهارِ عالمٍ بأمرِ الدُّنيا جاهلٍ بأمرِ الآخِرة».
ورواهُ أيضًا البيهقي في سننه والمنذري كلاهما من حديث أبي هريرة وفي هذا الحديث وَصَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أُناسًا بصفاتٍ:
الأُولى أن يكون المرءُ جعظريًّا وهو الرجلُ الفظُّ الغليظ المستكبرُ.
وأما الجوَّاظ فهو الجَموعُ المنوعُ أي الذي يَحرِصُ على جمعِ المالِ بنيَّةٍ فاسدةٍ، وهي أن يكون جمْعُهُ للمالِ حبًّا بالمالِ من حَيثُ ذاته ليتوصلَ لإشباعِ شهواتِه المحرَّمةِ وليفخَرَ بهِ على الناسِ ويبطرَ به بطرًا ويتكبرَ على عبادِ اللهِ ويبخلَ عن دفعِ المالِ في ما أمرَ اللهُ تعالى بالإنفاقِ فيه، ليسَ يجمعُ المالَ من طريقِ الحلالِ ليَصرفَه فيما أحلَّ اللهُ؛ لأنَّ الذي يجمعُ المالَ ليصرِفَهُ في الحلالِ فإنَّ ذلك ليس بمذموم؛ لأن المالَ منهُ ما يُذمُّ ومنه ما يُمدحُ، فالمالُ المذمومُ هو المالُ الذي يجمعُهُ المرءُ من حرامٍ لا يُبالي من حلالٍ أخذهُ أم من حرامٍ، أو يجمعُ المالَ ليقضيَ به شهواتِه المحرَّمةَ أي ليُشبِعَ نفسَهُ من شهواتِهِ المحرمةِ أو ليفخرَ بهِ على الناسِ أو ليتكبرَ فهذا هو المالُ المذمومُ، وأمَّا المالُ الذي يجمعه المرءُ المسلمُ من حلالٍ بنيةِ أن يسْترَ به نفسَهُ وينتفعَ بهِ هو أو غيرُه أو ينفقَهُ على أولادِهِ وعلى أبويهِ وغيرِهما من أقاربِه بغيرِ نيةِ التَّوصُّلِ إلى الفخرِ والتكبرِ على الناسِ فإن ذلكَ المالَ ليسَ بمذمومٍ ودليلُنا على ذلكَ ما رويناهُ بالإسنادِ الصحيحِ إلى الإمامِ أحمدَ وابنِ حبانَ أنَّهُ صلى اللهُ عليه وسلمَ قالَ لعمرِو بنِ العاصِ: «نعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ»، وفي لفظٍ ءاخرَ: «نِعِمّا بالمالِ الصالحِ للرجلِ الصالحِ»، والمالُ الصالحُ هو المالُ الذي يجمعُهُ المرءُ ويكتسبُهُ بطريقٍ حلالٍ، وأمَّا الرجُلُ الصالحُ فهو الإنسانُ المؤمنُ الذي يقومُ بحقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ العبادِ بأن يعرفَ ما افترضَ اللهُ تعالى عليهِ ويؤديَهُ ويعرفَ ما حرمَ اللهُ عليهِ ويجتنبَهُ.
وقيلَ أيضًا في قولِه: «جَوَّاظٍ» الكثيرُ اللحمِ المختالُ في مِشيتهِ، وقيلَ: الأكولُ، فإذا جمعَ مع صفةِ الجعظريِّ أن يكون جواظًا فقد ارتفعَ في الشرِّ والفسادِ.
ثم إن زادَ على ذلكَ بأن يكون سخَّابًا بالأسواقِ أي أنَّهُ من شدةِ شُحِّهِ وحرصِهِ على المالِ يُكثرُ الصياحَ والكلامَ في سبيلِ جمعِ المالِ، وأن يكونَ جيفةً بالليلِ أي يستغرقُ ليلَهُ بالنومِ ولا يهتمُ بأن يكسبَ في ليلهِ من الصَّلواتِ ويتزودَ من الطاعاتِ، حمارًا بالنهارِ أي أن همَّهُ التفننُ بالأكلِ والإكثارُ من الملذاتِ وينشغلُ بذلكَ عنِ القيامِ بما افترضَهُ اللهُ تعالى عليه، ثم إذا انضافَ إلى ذلك الوصفُ الأخيرُ وهو أن يكونَ عارفًا بأمرِ الدنيا جاهلا بأمرِ الآخرةِ فقد تزايدَ شرُّه، فمن هنا يُعلمُ أنَّ من ءاتاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ المالَ وكان عارفًا بطرقِ جمعِ المالِ وهو جاهلٌ بأمورِ الدّينِ أي بما افترضَ اللهُ تعالى عليه معرفَتَهُ من علمِ الدينِ فهو من شرِّ خلقِ اللهِ.
ثم لا سبيلَ إلى أداءِ ما افترضَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى واجتنابِ ما حرَّمَ اللهُ إلا بمعرفةِ العلمِ الضروريِّ من علمِ الدينِ، فمن أعرضَ عن تعلمِ هذه الضرورياتِ من علمِ الدينِ فإنه يهلكُ وهو لا يشعرُ، فإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، فليتقِ اللهَ امرؤٌ ءامَنَ بالآخرةِ فقد رُوينا بالإسنادِ المتصلِ إلى صحيحِ الإمامِ البخاريِّ رضيَ اللهُ عنهُ من قولِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «ارتحلتِ الدنيا وهي مُدبرةٌ وارتحلتِ الآخرةُ وهي مُقبلةٌ ولكلِّ واحدةٍ منهما بَنونَ فكونوا من أبناءِ الآخرةِ ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا فإن اليومَ عملٌ ولا حسابَ وغدًا حسابٌ ولا عملَ»، فعجبًا لِمن يُقبلُ على المدبرةِ ويُدبرُ عن المُقبلة.
ومعنى قوله «ارتحلت الدنيا» أي سارت الدنيا ومعنى «وهي مُدبرةٌ وارتحلتِ الآخرةُ وهي مُقبلةٌ» أي الدنيا سائرةٌ إلى الانقطاعِ والآخرةُ سارتْ مقبلةً، فالدنيا دارُ العملِ والآخرةُ دارُ الجزاءِ على العملِ.
وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبيِّهِ الكريمِ محمدٍ وعلى ءالِه الأطهارِ وصحابتِه الأخيارِ.