من كتب العلّامة الهرري كتاب إتحاف الخيرة

المجلسُ الرابع
من سنن الترمذي
أوصيكم بأصحابي

إتحاف الخيرة

couv-c100-africa الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلى اللهُ عليه وسلمَ. وبعدُ، فقد روِّينا بالإسنادِ المتصلِ إلى جامعِ الترمذيِّ(1) من حديثِ ابنِ عمرَ قالَ: خَطَبنا عمرُ بالجَابيةِ فقالَ: يا أيُّها الناسُ إني قمت فيكم كمقامِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم فينا فقالَ: «أُوصِيكم بأصحابي ثم الذينَ يلونَهم ثم الذين يلونَهم ثم يَفْشُو الكذبُ حتى يَحلِفَ الرجلُ ولا يُستحلفَ ويشهدَ الشاهدُ ولا يُستشهدَ، أَلا لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثَهما الشيطانُ، عليكم بالجماعةِ وإيَّاكم والفُرقَةَ فإنَّ الشيطانَ مع الواحدِ وهو من الاثنينِ أبعدُ، من أرادَ بُحبُوحةَ الجنةِ فليلزمِ الجماعةَ من سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وساءَتْهُ سيئتُهُ فذلكَ المؤمنُ».
ورواهُ النسائيُّ والحاكمُ كلاهما من حديثِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ(2).
الحمدُ للهِ فإنَّ أعظمَ نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ هي نعمةُ الإسلامِ فمن رزقَهُ اللهُ تعالى هذه النعمةَ فهو ممن أرادَ اللهُ لهم خيرًا أمَّا من لم يكنْ عقيدتُه عقيدةَ أهلِ الحقِّ أي ما كانَ عليها أصحابُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ومن تبِعَهُم إلى عصرِنا هذا فهو من الهالكينَ.
ومعنى قولِ الرَّسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ: «عليكُم بالجماعةِ» أي عليكُم باتِّباعِ ما كانَ عليه أصحابُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ومن تَبِعَهُم فمن كانَ على عقيدةِ الصَّحابةِ ولم ينحرِفْ عنها فهو على خيرٍ(3) ولو كانَ مُقَصِّرًا في العباداتِ وهو أفضلُ من الذي هو صورةُ مجتهدٍ في العبادةِ وهو على غيرِ تلكَ الطريقةِ في العقيدةِ، ولا تزالُ فرقةٌ في هذهِ الأمَّةِ باقيةً على عقيدةِ الرسولِ والصحابةِ إلى يومِ القيامةِ بدليلِ ما ثبتَ عن النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أنَّهُ قالَ(4): «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِّ حتى تقومَ الساعةُ»، والويلُ لمن انحرفَ عن ذلكَ.
فيُفهمُ من الحديثِ أنَّ الجماعةَ هم جمهورُ الأمَّةِ المحمديةِ أي لا يخرجُ عن جمهورِ الأمَّةِ اعتقادًا؛ لأنَّ النجاةَ في الآخرةِ لا تكونُ إلا باتِّباعِ جمهور ِالأمةِ المحمديةِ في الاعتقاد، والحمدُ للهِ جمهورُ الأمَّةِ المحمديةِ اليومَ مئاتُ الملايينِ وعلماؤُهم في الشرقِ والغربِ يدرسونَ هذه العقيدةَ التي كان عليها الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم والصحابةُ وهي أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ لا شريكَ لهُ موجودٌ أزلاً وأبدًا بلا مكانٍ ولا يجري عليه الزمانُ وأنه لا يُوصفُ بصفاتِ البشرِ فلا يُوصفُ بالحركةِ ولا بالسكونِ ولا بالحجمِ ولا باللَّونِ ولا بالشكلِ ولا بالتغيُّرِ فيستحيلُ عليه الانفعالُ وتغيرُ المشيئةِ، وأنَّهُ تعالى خالقُ كلِّ شىءٍ خالقُ الأعمالِ والأجسامِ والخيرِ والشرِّ، وأنَّ له كلامًا هو صفتُهُ ليسَ ككلامِ الخلقِ ليسَ حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً فهو منـزَّهٌ عن الحدِّ والمكانِ، أما تنـزيهُهُ عن المكانِ لأنَّهُ تعالى ليسَ شيئًا له كميةٌ، فالمكانُ هو لشىءٍ له كميةٌ وحدٌّ، أما الذي ليسَ لهُ كميةٌ لا يكونُ متحيزًا في المكانِ، فلمَّا كان عقلُ الإنسانِ لا يَتصورُ موجودًا ليسَ له مكانٌ ليسَ له كميةٌ ليسَ في جهةٍ واحدةٍ من الجهاتِ ولا في جميعِ الجهاتِ، قالَ الإمامانِ الجليلانِ أحمدُ بنُ حنبلٍ وذو النونِ المصريُّ رضيَ اللهُ عنهما (5): «مهما تصورتَ ببالِكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ» ، هذهِ عقيدةُ المسلمينَ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ ولا جهةٍ.
أمَّا الحدُّ معناهُ الكميةُ فإذا قالَ علماءُ أهلِ السُّنةِ إنَّ اللهَ ليسَ بمحدودٍ فمعناهُ أنَّهُ ليسَ شيئًا لهُ كميةٌ؛ لأنَّ كلَّ شىءٍ لهُ كميةٌ من الذَّرَّةِ إلى العرشِ يحتاجُ إلى من أوجدَهُ على هذهِ الكميةِ، فالشمسُ لها كميةٌ وحدٌّ ومقدارٌ فهي تحتاجُ إلى من جعلَها على هذا الحدِّ والمقدارِ ولا يصحُّ في العقلِ أن تكونَ هي أوجدَتْ نفسَها على هذا الحدِّ الذي هي عليهِ؛ لأنَّ الشىءَ لا يَخلقُ نفسَهُ، فلما كانتِ الشمسُ معَ عِظَمِ نفعِها لا تصلحُ أن تكونَ إلـهًا للعالمِ وجبَ أن يكونَ خالقُها لا كميةَ لهُ، وكذا العرشُ الكريمُ لهُ كميةٌ فهو أعظمُ كميةٍ في المخلوقاتِ يحتاجُ إلى من أوجدَهُ على ذلكَ الحدِّ الذي هو عليهِ، ولا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو خلقَ نفسَهُ، وكذلك ما بين الذَّرَّةِ والعرشِ يحتاجُ إلى من أوجدَهُ على الكميةِ التي هو عليها. فمُوجِدُ هذه العوالمِ يجبُ عقلاً أن يكونَ ليسَ شيئًا لهُ كميةٌ؛ لأنَّهُ لو كانَ له كميةٌ لاحتاجَ إلى من جعلَهُ على هذه الكميةِ، وهذا لا يرتابُ فيهِ ذو عقلٍ صحيحٍ، أمَّا هؤلاءِ المجسمةُ الذين يعتقدونَ أنَّ اللهَ تعالى جِرمٌ له كميةٌ بقدرِ العرشِ لا أصغرَ ولا أكبرَ هؤلاءِ ما عرفوا اللهَ تعالى بل هم تائهونَ.
وما ذكرناهُ منَ العقيدةِ الحقَّةِ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ يُفْهَمُ من قولِهِ تعالى: ﴿ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهو السميعُ البصيرُ﴾ لأنَّهُ لو كانَ للهِ مِثلٌ وشبيهٌ وحَدٌّ وكميةٌ لكانَ لهُ أمثالٌ لا تُحصى، فلذلك عملاً بهذه الآيةِ الشريفةِ ووقوفًا عندَ الدليلِ العقليِّ وجبَ تنـزيهُ اللهِ عن المثلِ والشبيهِ والحدِّ والكميةِ، وهذا شىءٌ ثبتَ في عباراتِ السلفِ الصالحِ روى الحافظُ أبو نُعيمٍ في الحِليةِ(6) عن عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «من زعمَ أنَّ إلهَنا محدودٌ فقد جَهِلَ الخالقَ المعبودَ»، وقالَ الإمامُ السجادُ زينُ العابدينَ عليُّ بنُ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهم(7): «أنتَ اللهُ الذي لا تُحَدُّ» أي ليسَ لكَ كميةٌ، وسُمِّيَ سَجَّادًا لأنَّهُ كان يُصلي ألفَ ركعةٍ في اليومِ والليلةِ، ثم بعدَهُ الإمامُ أبو جعفرٍ الطحاويُّ الذي تُوفيَ سنةَ ثلاثِمائةٍ واثنتينِ وعشرينَ هجريةً فقد ذكرَ في كتابهِ الذي جعلَهُ بيانَ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ: «تعالى» أي اللهُ «عن الحدودِ» أي عن الكميةِ والحدِّ والمِساحةِ والمقدارِ «والغاياتِ» أي النهاياتِ «والأركانِ» أي الجوانبِ «والأعضاءِ» جمعُ عضوٍ «والأدواتِ» أي الأعضاءِ الصغيرةِ كاللِّسانِ واللَّهاةِ، ثم بعدَ ذلك تتابعَ علماءُ الإسلامِ في الشرقِ والغربِ على هذا عقيدتُهم، عقيدةٌ يشهدُ لها العقلُ والقرءانُ الكريمُ ﴿ليسَ كمثلِه شىءٌ﴾ هذهِ الآيةُ تكفِي لنفيِ الحدِّ عن اللهِ والتحيُّزِ في المكانِ وفي جهةٍ من الجهاتِ، تنفي عن اللهِ كلَّ ما هو من صفاتِ الخلقِ كالحركةِ والسكونِ.
ثم إنَّ هذه الأمةَ المحمديةَ ليستْ كسائرِ أممِ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ الذينَ انحرفوا عمَّا دعاهُم إليهِ نبيُّهم فأهلكَهُمُ اللهُ كقومِ نوحٍ وقومِ عادٍ وقومِ صالحٍ وجماعةِ فرعونَ الذينَ خالفوا موسى عليه السلامُ.
قومُ نوحٍ هم أولُ من عَبدَ الوثنَ ثم لَما أَرسلَ اللهُ تعالى نوحًا عليهِ السلامُ فدعا الناسَ إلى عبادةِ اللهِ تعالى وحدَهُ وتركِ الأوثانِ خالفُوهُ وما ءامنوا بهِ إلا نحوُ ثمانينَ شخصًا فقط معَ أنَّهُ دعاهم للإسلامِ تسعَمِائةٍ وخمسينَ سنةً فلم يؤمنوا به قطُّ بل أصرُّوا على عبادةِ الأوثانِ فأهلَكَهُمُ اللهُ تعالى بالغرقِ فأمرَ الأرضَ أن تُخرِجَ ماءَها حتى ارتفعَ الماءُ أربعينَ ذراعًا على وجهِ الأرضِ ثم نزلَ ماءُ السماءِ كلُّ قطرةٍ كالجبلِ فزادَ الماءَ ارتفاعًا حتى غطى كلَّ جبالِ الدنيا ونجَّى اللهُ نوحًا ومن ءامنَ بهِ وبعضَ البهائمِ، أمَّا الآخرونَ كلُّهم أهلَكَهُمُ اللهُ حتى أحدُ أبنائِهِ الأربعةِ واسمُهُ كَنعانُ ما أطاعَ أباهُ فأغرَقَهُ اللهُ تعالى مع الكفارِ.
ثمَّ هؤلاءِ الذينَ أسلموا مع نوحٍ عليه السلامُ عاشُوا في الأرضِ معَهُ ومع أبنائِهِ الثلاثةِ لكنَّ اللهَ أعطى الذريةَ لأبنائهِ، أمَّا البشرُ الآخرونَ ما عاشتْ لهم ذريةٌ، ثم أولادُهم بعدَ زمانٍ كفروا، فأرسلَ اللهُ لهم نبيًّا اسمُه هودٌ عربيٌّ كانَ يعيشُ باليمنِ فكذَّبُوهُ فأهلَكَهُمُ اللهُ بالرِّيحِ فخرجَتْ من دونِ وزنٍ بأيدِي الملائكةِ وهي لا تَخرجُ إلا بوزنٍ بأيدِي الملائكةِ، أمَّا في ذلكَ اليومِ أفلتَتْ من أيدِيهم فأبادَتِ الكفارَ، وهكذا كانَ الأمرُ يتكررُ بعدَ ذلكَ، أمَّا بينَ عيسى ومحمدٍ عليهما السلامُ ما حصلَ مثلُ ذلك العذابِ المستأصِلِ للكفارِ في الدُّنيا.
أمَّا الذينَ ءامنوا بعيسى عليهِ السلامُ واتَّبَعُوهُ على شريعتِهِ عاشوا بعد ارتفاعِ عيسى إلى السماءِ على الإسلامِ مائتي سنةٍ، ثم انحرفَ الأغلبُ وبقيَ منهم جماعاتٌ على الإسلامِ والذينَ انحرفوا بقُوا على الانحرافِ إلى أن أرسلَ اللهُ محمدًا صلى اللهُ عليه وسلمَ وبعدَهُ إلى يومِ القيامةِ لا يُرسِلُ اللهُ على البشرِ عذابًا مُستأصِلا لكن يحصلُ خسفٌ جزئيٌّ ليسَ عامًّا ومسخٌ جزئيٌّ.
والمسخُ هو أنْ يُحَوِّلَ اللهُ تعالى صورَ بعضِ البشرِ في هذه الأمةِ قِردةً وخنازيرَ عندما يغرقونَ في الفسقِ والفجورِ واللهُ أعلمُ متى يحصلُ هذا لكنَّهُ جزئيٌّ، وقد يحصلُ قذفٌ فيُرمَوْنَ بحجارةٍ من السماءِ ويُقتلونَ.
والحاصلُ أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ أوصى بلزومِ الجماعةِ واتباعِ جمهورِ الأمةِ المحمديةِ في غيرِ ما حديثٍ فقد روى أبو داودَ في سننِهِ من حديثِ معاويةَ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهُ قالَ(8) «وإنَّ هذِه الملةَ ستفترِقُ على ثلاثٍ وسبعينَ ثِنتانِ وسبعونَ في النارِ وواحدةٌ في الجنةِ وهيَ الجماعةُ»، وروى الترمذيُّ في جامعِهِ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنَّ الرسولَ صلى اللهُ عليه وسلمَ قالَ(9) «ثلاثٌ لا يُغَلُّ عليهِنَّ قلبُ مسلمٍ إخلاصُ العملِ للهِ ومناصحةُ أئمةِ المسلمينَ ولزومُ الجماعةِ فإنَّ الدعوةَ تُحِيطُ مَنْ وراءَهم»، وروى ابنُ أبي عاصمٍ موقوفًا على أبي مسعودٍ البدريِّ(10): «وعليكُم بالجماعةِ فإنَّ اللهَ لا يجمعُ هذهِ الأمةَ على ضلالةٍ» قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ(11): «إسنادُه صحيحٌ».
اللهُمَّ أحْيِنَا على عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ وأَمِتْنَا واحْشُرْنا عليها وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
------------------

1- رواهُ الترمذيُّ في سننِه (2165): كتابُ الفتنِ: باب ما جاء في لزوم الجماعة وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
2- رواهُ النسائيُّ في السننِ الكبرى (9225): عِشرةُ النساءِ: بابُ خلوِّ الرجلِ بالمرأةِ ، والحاكمُ في المستدركِ (1/114) وقالَ: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ، ووافقَهُ الذهبيُّ.
3- أي من حيثُ المعتقدُ وإن كان هو يلامُ في تقصيرِه في العباداتِ والواجباتِ.
4- رواهُ الحاكمُ في المستدركِ (4/449) من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ وقالَ: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يُخَرِّجَاهُ»، ووافقَهُ الذهبيُّ.
5- انظرْ قولَ الإمامِ أحمدَ في كتابِ العقيدةِ (ص/116)، وقولَ ذي النونِ المصريِّ في كتابِ السيَرِ للذهبيِّ (11/535).
6- حلية الأولياء (1/73).
7- إتحاف السادة المتقين (4/380).
8- رواهُ أبو داودَ في سننهِ (4597): كتابُ السنةِ: بابُ شرحِ السنةِ.
9- رواه ُالترمذيُّ في سننهِ (2658): كتابُ العلمِ: بابُ ما جاءَ في الحثِّ على تبليغِ السماعِ، وأحمدُ في مسندِه (4/80-82)، والحاكمُ في المستدركِ (1/88).
10- أخرجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في السنةِ (ص /42).
11- موافقةُ الخبرِ الخبرَ (1/115).