من كتب العلّامة الهرري كتاب إتحاف الخيرة

المجلس الأول
من كتاب صحيح البخاري
باب العلم قبل القول والعمل

إتحاف الخيرة

couv-c100-africa الحمدُ للهِ ربِّ العالـمينَ له النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحسنُ صلواتُ اللهِ البرِّ الرَّحيمِ والملائكةِ المقربينَ على سيدِنا محمدٍ أشرفِ الـمُرسلينَ وعلى جميعِ إخوانِهِ من النبيينَ والـمُرسلينَ وءالِ كلٍّ والصالحينَ وسلامُ اللهِ عليهم أجمعينَ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ شهادةَ مَنْ رَضِيَ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ صلى اللهُ عليه وسلمَ نبيًّا.
أمَّا بعدُ فقد رُوِّينا بالإسنادِ الـمُتصلِ إلى صحيحِ الإمامِ البخاريِّ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ قالَ(1): "بابٌ العلمُ قبلَ القولِ والعملِ" واستدلَ لذلكَ بهذه الآيةِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾
والخطابُ وإن كانَ للنبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ فهو متناوِلٌ لأمَّتِه، وقد استدلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ بهذه الآيةِ على فضلِ العلمِ فقد رُوِّينا بالإسنادِ المتصلِ إلى حليةِ الأولياءِ أنَّ سفيانَ تلا الآيةَ وقالَ: "ألم تسمع أنَّهُ بدأَ بهِ فقالَ ﴿اعْلَمْ﴾ ثم أمرَهُ بالعملِ".
ومعنى كلامِ البخاريِّ أنَّ العلمَ هو أساسُ الدينِ وأشرفَ العلمِ العلمُ باللهِ وبرسولِه وبأمورِ دينِهِ الاعتقاديةِ والعمليةِ. والاعتقاديةُ هي ما يجبُ اعتقادُهُ من أمورِ الدِّينِ بالقلبِ، والعمليةُ هي التي تُعملُ بالبدنِ كالصلاةِ والصيامِ والزكاةِ والحجِّ والنطقِ بالشهادتينِ. والأساسُ من هذا الذي هو الأصلُ العلمُ باللهِ وبرسولِه أي معرفةُ اللهِ والإيمانُ بهِ وإفرادُه بالعبادةِ والإيمانُ برسولهِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلمَ فلا تُقبلُ صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا صيامٌ ولا حجٌّ ولا شهادةٌ إلا بالعلمِ باللهِ ورسولِهِ وبعدَ ذلكَ تنفعُ الشهادةُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ والصلاةُ والزكاةُ كلُّ هذه الأشياء تنفعُ بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِه بعدَ الإيمانِ بهما؛ لأنَّ ذلك يُفهمُ من هذه الآيةِ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ فقد قدَّمَ اللهُ تعالى ذِكرَ العلمِ باللهِ حتى يُفْهِمَنا أنَّهُ لا يُقبلُ شىءٌ من العباداتِ إلا بعدَ العلمِ باللهِ فكانَ أفضلَ الأعمالِ التوحيدُ.
والتوحيدُ هو اعتقادُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى موجودٌ لا يُشْبِهُ شيئًا من الموجوداتِ فهو موجودٌ لا كالموجوداتِ، والموجوداتُ سوى اللهِ هو خلقَها وأبرزَها من العدمِ إلى الوجودِ، ما كان عالمٌ كثيفٌ ولا لطيفٌ قبلَ أن يخلقَهما اللهُ، والعالمُ اللطيفُ هو ما لا يُجَسُّ باليدِ كالريحِ والظلامِ والضوءِ. ضوءُ الشمسِ والقمرِ وضوءُ النارِ كُلُّها لا يُضبطُ باليدِ، أما العالـمُ الكثيفُ فهو ما يُمكنُ جسُّهُ باليدِ كالإنسانِ والشجرِ والحجرِ والشمسِ والقمرِ والنجومِ والأرضِ والسمواتِ والعرشِ، هذه الأشياءُ كلُّها ما كانت موجودةً قبلَ أن يخلقَها اللهُ تعالى، وجودُها له ابتداءٌ أما اللهُ تعالى وجودُه ليسَ له ابتداءٌ فلذلك لا يُشبهُ الإنسانَ ولا الضوءَ ولا الظلامَ ولا الريحَ ليسَ جسمًا لطيفًا ولا حجمًا كثيفًا؛ لأن الحجمَ ما كان موجودًا قبلَ أن يخلقَهُ اللهُ فكيفَ يكونُ اللهُ تعالى حجمًا، فهو تعالى موجودٌ ليسَ حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا، موجودٌ لا ابتداءَ لوجودِه فلو كان اللهُ تعالى حجمًا لكانَ له أمثالٌ كثيرٌ، ولو كانَ اللهُ تعالى حجمًا لم يكن أولى بالألوهيةِ من الشمسِ التي هي حجمٌ كبيرٌ منيرٌ ومنظرٌ حسنٌ ونفعٌ كبيرٌ تنفعُ البشرَ والنباتَ والبهائمَ ومعَ هذا لا يجوزُ أن تكونَ إلـهًا، إذن ربُّ العالمينَ سبحانَهُ وتعالى الذي خلقَ كلَّ شىءٍ ليس حجمًا بالمرةِ، لا حجمًا كبيرًا ولا صغيرًا، فمن اعتقدَ أنَّه حجمٌ ما عرفَهُ؛ لأنَّ الحجمَ سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا لطيفًا أو كثيفًا فهو مخلوقٌ والله تعالى لا يكونُ كذلك. فالذي يقولُ أو يعتقدُ أنَّ اللهَ جسمٌ كبيرٌ قاعدٌ على العرشِ كالوهابيةِ ما عَرفَ اللهَ فهو عندَهم جسمٌ كبيرٌ ملأَ العرشَ، وبعضُهم يقولُ أخذَ بعضَ العرشِ، وهذا جهلٌ كبيرٌ وضلالٌ مبينٌ فلا يكونُ من يقولُ بهذا عرفَ اللهَ، فلا يُوجدُ فوقَ العرشِ جسمٌ قاعدٌ يُدبرُ العالمَ، ودليلُنا أنَّ اللهَ تعالى كان موجودًا قبلَ العرشِ وقبلَ الجهاتِ الستةِ فوقٍ وتحتٍ ويمينٍ وشمالٍ وأمامٍ وخلفٍ قبلَ هذا كلِّهِ كانَ موجودًا بدونِ تحيُّزٍ في جهةٍ من الجهاتِ بخلافِ الحجمِ فإنَّهُ يكونُ له تحيزٌ في جهةٍ من الجهاتِ.
اللهُ تعالى خلقَ بعضَ العالمِ وجعلَهُ في جهةِ فوقٍ، العرشُ والملائكةُ الذين يطوفونَ بهِ كما نحن نطوفُ بالكعبةِ هؤلاءِ مركزُهم هناكَ يُصلُّونَ على العرشِ صفوفًا ليسَ بينهم اختلافٌ ويَطُوفونَ بهِ لكن ليسَ مسكنُهم العرشَ إنما للصلاةِ، أما ربُّ العالمينَ فليس شيئًا متحيزًا في مكانٍ، لا في جهةِ فوقٍ ولا في جهةِ تحتٍ فهو تباركَ وتعالى خلقَ الحجمَ الصغيرَ كحبةِ الخردلِ وخلقَ ما هو أكبرُ منها كالإنسانِ وما هو أكبرُ من ذلكَ كالسماءِ وما هو أكبرُ من ذلكَ كالكرسيِّ الذي هو فوقَ السمواتِ السبعِ ثمَّ ما هو أكبرُ من الكرسيِّ وهو العرشُ، فالشمسُ لِمَ لم يكن لونُها غيرَ هذا البياضِ؟ ولِمَ لم تكن باردةً كالقمرِ؟ فهي بما أنها لها حجمٌ مخصوصٌ ولونٌ مخصوصٌ وصِفةٌ مخصوصةٌ لا تصلحُ أن تكونَ إلـهًا إنما الإلهُ هو الذي خلقَها على هذا الشكلِ وعلى هذا الحجمِ وعلى هذه الصفةِ وخلقَ كلَّ شىءٍ على حجمِهِ الذي هو عليه، حبةُ الخردلِ ما هي اختارت أن تكونَ على حجمِها الصغيرِ والشمسُ ما اختارَتْ أن تكونَ على حجمِها هذا وكذا العرشُ ما اختارَ أن يكونَ على حجمِهِ الذي هو أكبرُ حجم، كلُّ هذه الأشياءِ تحتاجُ لمن جعلَها أن تكونَ على حجمِها الخاصِّ فالذي خلقَها لا يكونُ له حجمٌ.
ثم اللهُ تبارك وتعالى وصفَ نفسَهُ بأنه موجودٌ قبلَ كلِّ شىءٍ بلا ابتداءٍ أي أن كلَّ ما سوى اللهِ لم يكن موجودًا ثم صارَ موجودًا فكلُّ شىءٍ يصِحُّ أن يُقالَ متى وُجِدَ إلا اللهُ فلا يجوزُ في حقِّه أن يُقالَ متى وُجِدَ ومتى كانَ لأنَّهُ لم يسبقْهُ عدمٌ بخلافِ ما سواهُ فقد سبَقَهُ عدمٌ، المسلمونَ على هذا والأنبياءُ صلواتُ اللهِ تعالى عليهم أجمعينَ كلُّهم على هذا الاعتقادِ على اعتقادِ أنَّ اللهَ تعالى موجودٌ لا ابتداءَ لهُ وما سواه ُكلِّه له ابتداءٌ، وأنَّ اللهَ تعالى لا يتصفُ بشىءٍ من صفاتِ خلقِهِ فليسَ بينَهُ تعالى وبينَ خلقِهِ مشابهةٌ فهو منـزَّهٌ عن أن يكونَ له مِقدارٌ صَغُرَ أو كَبُرَ منـزَّهٌ عن أن يكونَ حجمًا طويلاً أو قصيرًا؛ لأنَّ الأجسامَ كلَّها لها مقاديرُ فهو تباركَ وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
أما قولُنا "اللهُ أكبرُ" فمعناهُ أقدرُ من كلِّ قادرٍ وأعلمُ من كلِّ عالمٍ، اللهُ كبيرٌ اللهُ عظيمٌ، لا على معنى كبرِ الحجمِ؛ لأنَّ الحجمَ كما قدَّمنا مستحيلٌ على اللهِ.
كذلك لا يجوزُ أن يُتصورَ أو يُعتقدَ أنَّ اللهَ مُتحيزٌ في جهةِ فوقٍ وغيرِها، ولا يجوزُ كذلكَ أن يُعتقدَ بأنَّ اللهَ حجمٌ مُحيطٌ بالعالمِ بحيثُ يكونُ العالـمُ داخلَهُ، فهو تباركَ وتعالى الذي جعلَ بعضَ خلقِهِ متحيزًا في جهةِ فوقٍ كالعرشِ والملائكةِ والسمواتِ والنجومِ والشمسِ والقمرِ، وجعلَ البشرَ والبهائمَ متحيزينَ في جهةِ تحتٍ، كلُّ هذه هو أوجدَها فكيفَ يكونُ مثلَها.
كذلك لا يجوزُ أن يُوصفَ اللهُ بشىءٍ من صفاتِ خلقهِ غيرِ هذه الصفاتِ المذكورةِ فلا يُوصف بالحركةِ ولا بالسكونِ؛ لأنَّ الخلقَ قسمٌ منهم ساكنونَ دائمًا كالعرشِ والسمواتِ السبعِ، ومنهم متحركونَ دائمًا كالنجومِ فلا يوجدُ نجمٌ إلا وهو متحركٌ، وقسمٌ من الخلقِ يسكنونَ مرةً ويتحركونَ أخرى كالإنسانِ والملائكةِ والبهائمِ والجنِّ فهو سبحانَهُ ليس متصفًا بالحركةِ والسكونِ الدائمَينِ ولا بالحركةِ مرةً والسكونِ مرةً.
ثم إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لهُ صفاتٌ أزليةٌ أبديةٌ ليست كصفاتِ خلقِه علمُهُ أزليٌّ أبديٌّ لا يزيدُ ولا ينقصُ وقدرتُه أزليةٌ أبديةٌ لا تزيدُ ولا تنقصُ وكذا مشيئتُه وسمعُه وبصرُه وحياتُه، وكذلك كلامُه أزليٌّ أبديٌّ ليسَ حرفًا ولا صوتًا، هو متكلمٌ بكلامٍ ليسَ حرفًا ولا صوتًا، ليسَ ككلامِ الخلقِ يحصلُ شيئًا فشيئًا يسبقُ بعضُه بعضًا ويتخلَّلُهُ انقطاعٌ وسكوتٌ، فكما أن حياتَهُ لا تزيدُ ولا تنقصُ ولا يتخلَّلُها انقطاعٌ كذلك علمُه وقدرتُه وسمعُه وبصرُه ومشيئتُه وكلامُه، كلُّ صفاتِه لا يدخلُها انقطاعٌ؛ لأنَّ كلَّ شىءٍ يزيدُ أو ينقصُ يكونُ حادثًا فلا يكونُ للهِ صفةٌ حادثةٌ تزيدُ وتنقصُ، أمَّا نحنُ أوجدَنا اللهُ ثم خلقَ فينا صفاتِ الخلقِ من قدرةٍ تزيدُ وتنقصُ ومشيئةٍ تزيدُ وتنقصُ وخلقَ فينا كلامًا يزيدُ وينقصُ ويتخلَّلُهُ سكوتٌ وانقطاعٌ فهو تباركَ وتعالى لا يكونُ كذلكَ أي كصفاتِ خلقِه لا يكونُ كلامُه ككلامِ خلقِه ومعَ هذا يُسْمِعُهُ مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِهِ. في الدنيا يَسمَعُ جبريلُ كلامَ اللهِ الذي ليسَ حرفًا ولا صوتًا ليسَ لغةً من اللُّغاتِ؛ لأنَّ اللغاتِ كلَّها مخلوقةٌ، ولَـما كان سيدُنا موسى عليه السلامُ في طورِ سيناءَ في ءاخرِ حدودِ برِّ الشامِ سَمِعَ كلامَ اللهِ، وهذه الكتبُ السماويةُ القرءانُ والإنجيلُ والزبورُ والتوراةُ وكتبٌ أُخرى كثيرةٌ أنزلهَا اللهُ على بعضِ الأنبياءِ كلُّها عباراتٌ عن كلامِ اللهِ الذاتيِّ الذي ليسَ حرفًا ولا صوتًا؛ لأن هذه الكتبَ بعضُها بالعربيةِ وبعضُها بالسُّريانيةِ وبعضُها بالعبرانيةِ. فالقرءانُ الذي نقرؤُه بالحروفِ هذا ليسَ اللهُ قرأَهُ كما يقرأُ القُرَّاءُ فهذه صفةُ المخلوقِ لا تجوزُ على اللهِ، إنما اللهُ كتبَهُ في اللَّوحِ المحفوظِ وأمرَ جبريلَ أن يُنـزِلَهُ على نبيِّنا محمدٍ صلى اللهِ عليه وسلََّم، كذلكَ الإنجيلُ جبريلُ أخذَه من اللَّوحِ المحفوظِ وأنزلَهُ على عيسى عليه السلامُ.
ثمَّ إنه مما منَّ اللهُ تعالى على أمةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه حَفِظَ القرءانَ منذ أُنْزِلَ على محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم إلى يومِنا هذا فلم يتغيرْ، وقد يسَّرَ اللهُ تبارك وتعالى حفظَهُ للكبيرِ والصغيرِ أما الأممُ القديمةُ سوى الأنبياءِ ما كانوا يحفظونَ الكتبَ التي أُنزلت على أنبيائِهم إنما كانوا يقرؤنَها قراءةَ نظرٍ إلا التوراةَ فإنَّهُ حَفِظَهَا رجلٌ اسمُهُ عُزَيرٌ رضيَ اللهُ عنه وقد أعادَ التوراةَ من حِفْظِهِ بعدما دخلَ فلسطينَ ملكٌ جبارٌ كافرٌ فقتلَ من اليهودِ كثيرًا وأَسَرَ كثيرًا وأحرقَ التوراةَ وكان في ذلكَ الوقتِ اليهودُ منهم مؤمنونَ وبعضُهم كافرونَ، فتعجَّبَ اليهودُ الكفرةُ وقالوا لولا أن هذا ابنُ اللهِ كيفَ يُعيدُ التوراةَ بعدما أُحْرِقَتْ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ أمَّةَ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم أفضلُ الأممِ ولا يزالُ دينُ الإسلامِ إلى نهايةِ الدنيا، قبلَ أن تنتهيَ بمائةِ عامٍ يُرفعُ القرءانُ ولا يبقَى منهُ في الصدورِ شىءٌ، عندَ ذلك كلُّ مسلمٍ يموتُ، يُرسلُ اللهُ ريحًا تدخلُ إبطَ كلِّ مسلمٍ فيموتُ ثم يبقى الكفارُ الذينَ يعيشونَ كالـحُمُرِ في الطريقِ يتسافدون ثم تقومُ القيامةُ بعدَ ذلكَ فيأمرُ اللهُ إسرافيلَ أن ينفُخَ في القرنِ فيموتُ الإنسُ والجنُّ من شدَّةِ هذا الصَّوتِ ثم بعدَ ذلك بمدةٍ يُحيي اللهُ إسرافيلَ قبلَ غيرِه ثم يحيي الملائكةَ والإنسَ والجنَّ، فينفخُ إسرافيلُ نفخةَ البعثِ فيُعيدُ اللهُ العظامَ ثم يكْسُوها عَصَبًا ولحمًا وجلدًا، فتعودُ كما كانت فيخرجونَ من القبورِ ثم يُساقُونَ إلى المحشرِ في برِّ الشامِ. أما سيدُنا محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلمَ فهو أولُ من يَنشَقُّ عنه القبرُ يخرجُ من المدينةِ ويخرجُ معَهُ أهلُ المدينةِ ثم يَنضافُ إليهم سائرُ أهلِ مكةَ والطائفِ، ثم يقضي اللهُ بينَ العبادِ يُكَلِّمُ كلَّ إنسانٍ منَ البشرِ ومن الجنِّ بكلامِه الذي ليسَ حرفًا ولا صوتًا تكليمًا بلا ترجمانٍ "لِمَ فعلتَ كذا" "أليسَ أعطيتُكَ كذا من النعم" ويُحاسِبُهم على عقائدِهم ونواياهم وأفعالِهم فينتهي من حسابِ هذا الخلقِ كلِّهم بساعةٍ واحدةٍ(2) قالَ اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنعام/62] لأنَّ كلامَهُ ليسَ حرفًا ولا صوتًا، ولو كان حرفًا وصوتًا ما كان ينتهي من حسابِهم في ساعةٍ بل كان يأخذُ عليه أكثرَ من مائةِ ألفِ سنةٍ.
ثمَّ بعدَ ذلكَ قسمٌ من الناسِ يُؤمرُ بهم إلى الجنةِ، هؤلاءِ كلُّهم مؤمنونَ لم يعبدُوا أحدًا غيرَ الله وصدَّقوا بالرسلِ، والذين عبدُوا غيرَ اللهِ(3) أو كذبوا الرسلَ أو شبَّهُوا اللهَ تعالى بخلقهِ يُساقونَ إلى النارِ، وبذلك القيامةُ انتهتْ. فمدةُ القيامةِ خمسونَ ألفَ سنةٍ، ما بين أن يخرجوا من قبورِهم ويستقرَّ قسمٌ في الجنةِ وقسمٌ في النارِ مقدارُ خمسينَ ألفَ سنةٍ. أمَّا الشمسُ والقمرُ فيُلفََّانِ ويَذهبُ نورُهما ويُرميانِ في جهنَّمَ حتى يُخزيَ اللهُ الكفارَ الذين يعبدونَهما.
ويكونُ يومَ القيامةِ حسابُ الخلقِ في الأرضِ المبدلةِ، هذه الأرضُ يُحَطِّمُهَا اللهُ تُنْسَفُ الجبالُ فتصيرُ كالغبارِ الناعمِ تطيرُ في الهواءِ فيحسَبُها الناظرُ جامدةً وهذا معنى قولِهِ تعالى ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [سورة النمل/88]، وقبلَ أن تُدَكَّ هذه الأرضُ يَنقلُ اللهُ بقدرتِهِ البشرَ إلى ظلمةٍ ثم يُعادُونَ إلى الأرضِ المبدلةِ فيُحاسبونَ. ورُويَ أنَّ المساجدَ تُزَفُّ يومَ القيامةِ كالعروسِ إلى الجنَّةِ(4)، أمَّا الأرضُ المبدلةُ فهي أرضٌ مستويةٌ بيضاءُ كقُرصةِ النَّقِي أي كالخبزةِ التي من الطحينِ الصافي ليسَ عليها جبالٌ ولا وِهادٌ ولكن معَ هذا اللهُ تعالى يأتي بالأرضِ التي كان الإنسانُ يعملُ فيها فتشهَدُ على الشخصِ بأنَّهُ فعلَ كذا وكذا يومَ كذا وكذا.
------------------

(1) صحيحُ البخاريِّ كتابُ العلمِ: بابُ العلمِ قبلَ القولِ والعملِ.
(2) المرادُ بها جزءٌ قليلٌ لا الساعةُ الزمنيةُ المعتادةُ في محاوراتِ الناسِ اليومَ، وليسَ معناهُ أنَّ الوقتَ يمرُّ على اللهِ تعالى بل يمرُّ على الناسِ، فاللهُ لا يجري عليه زمانٌ قالَ الإمامُ أبو منصورٍ البغداديُّ في الفرقِ بين الفرقِ (ص/333) وأجمعوا ـ أي أهلُ السنةِ ـ على أنه لا يحويهِ مكانٌ ولا يجري عليه زمانٌ.
(3) أي من المكلفينَ.
(4) بيوتُ الرسولِ والروضةُ والمساجدُ التي بُنِيَتْ من مالٍ حلالٍ وأُحدٌ تُنْقَلُ إلى الجنةِ.