من كتب العلّامة الهرري كتاب الدرة البهية في حل ألفاظ العقيدة الطحاوية

القول في صفات الله وتنزيهه

كتاب الدرة البهية

couv-c100-africa قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: قَدِيمٌ بِلا ابتِدَاءٍ.
الشرحُ القَدِيمُ معناهُ الَّذي ليْسَ لِوُجُودِهِ ابتداءٌ هذا معنى القديمِ إذا أُطلِقَ على اللهِ ويُرادِفُهُ الأَزليُّ، أمَّا إذا أُطْلِقَ على غيرِ اللهِ فهو ما تَوالَتْ عليهِ السِّنُونَ الطِوَالُ وقدْ يُقَالُ ما تَقَادَمَ عهدُهُ فيُقالُ بناءٌ قديمٌ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: دَائِمٌ بِلا انتِهَاءٍ.
الشرحُ هَذِهِ عِبارةٌ عن بقائهِ تعالى وهو بقاءٌ لذاتِهِ ليْسَ بقاءً بغيرِهِ كالجنةِ والنارِ، فَلا يَلْحَقُهُ عدَمٌ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: لا يَفْنَى وَلا يَبِيدُ.
الشرحُ هَذا تَفسيرٌ لقولِهِ بَاقٍ، فلا يَلْحَقُ القَدِيمَ فناءٌ.
فمعنى قوله "لا يَفْنَى" لا يَهْلِك وكذا معنى "لا يَبِيدُ". قال بعضهم جمع بين اللفظين تأكيدًا لدوام بقائه تعالى.

قالَ المؤلِّف رحِمَه اللهُ: وَلا يَكونُ إلا ما يُريدُ.
الشرحُ أنه لا يَدخلُ في الوجودِ منَ الأعيانِ مهْمَا صَغُرَتْ والحركاتِ والسُّكُونِ والخَواطِرِ وغيرِ ذلكَ مما سِوَى اللهِ شىءٌ إلا بإرادتِهِ ومَشِيئتِهِ وهي صفة أزلية أبدية يُخصص الله بها الجائزَ العقلي بالوجود بدل العدم وبصفة دون أخرى وبوقت دون ءاخر، فَلا فَرْقَ بينَ مَا كانَ خَيْرًا مِنْ أعمالِ العِبادِ ومَا كانَ منْها شَرًّا لأنَّ الكُلَّ دَاخِلٌ في الإمْكانِ ؛ ولَوْ كانتْ إرادةُ اللهِ خَاصَّةً بالخيرِ منْها لاقْتَضَى ذلكَ مُخَصّصًا خَصَّصَ إرادتَهُ بالخَيْرِ، واللهُ مُنـزَّهٌ عنِ المخصِّصِ لأنَّ الخيرَ والشَّرَّ مُسْتَوِيَانِ في الإِمْكَانِ.
والإِرَادَةُ هنا بمعنى المشيئةِ ليسَ بمعنى المحبةِ، فإرادةُ المحبَّةِ كقولِهِ تعالى:﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾(185) [سورة البقرة] أيْ يُحِبُّ لكُمُ اليُسْرَ لأنهُ ما جَعَلَ في دينِكُم مِن حَرَجٍ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَهُ اللهُ: لا تَبلُغُهُ الأوهَامُ.
الشرحُ الأوهامُ جمعُ وهْمٍ أيْ لا تَتَصَوَّرُهُ أوهامُ الخلائِقِ أيْ تَصوُّرَاتُهُم، فَالإنسانُ وَهْمُهُ يَدُورُ حولَ مَا أَلِفَهُ مِنَ الشَّىءِ المحسُوسِ الَّذِي لَهُ حَدٌّ وشَكْلٌ ولَوْنٌ واللهُ تعالى ليسَ كذلكَ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَلا تُدرِكُهُ الأَفهَامُ.
الشرح لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ أيْ لا تُحِيطُ بهِ لأنَّ ذلكَ يَقْتَضِي الحدُوثَ والحدُوثُ محالٌ عليهِ وهُو كمَا قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُ: "مَهْمَا تَصَوَّرَتَ ببالِكَ فاللهُ بخِلافِ ذَلكَ"، رَوى ذلكَ عنهُ الحافظُ ابن عساكر في تَاريخِ دمشق بالإسْنادِ، ورَوى ذلكَ أَيْضًا أَبو الفَضْلِ عبدُ الواحدِ بنُ عبدِ العزيز التَمِيمِيُّ عنْ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وكانَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُ وأحمدُ بنُ حنبلٍ مُتعاصِرَينِ.
قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَلا يُشبِهُ الأَنَامَ.
الشرحُ الأنامُ الخلْقُ، والشبِيهُ ما يُشَارِكُ غيرَهُ ولَوْ في وجْهٍ واحدٍ، فنَفْيُ المِثْلِ عنهُ يقتَضِي نَفْيَ الشَّبِيهِ، فقَوْلُنا اللهُ لا مِثْلَ لهُ أَبْلَغُ في التَّنْـزِيهِ من قولِنا اللهُ لا شبيهَ لَهُ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: حيٌّ لا يَمُوتُ قَيُّومٌ لا يَنَامُ.
الشرحُ الحيُّ في حقِّ اللهِ تعالى يُفَسَّرُ بأنَّه المتَّصِفُ بِالحيَاةِ الَّتِي هيَ أزلِيَّةٌ أبديةٌ ، والقَيُّومُ معناهُ الدائمُ الّذي لا يَزولُ، وقِيلَ القائِمُ بِتدبِيرِ خَلْقِهِ لأنَّ تَدِبِيرَ جميعِ الأشياءِ لا يَكُونُ إلا للهِ، أمَّا الملائكةُ الذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بقولِهِ: ﴿فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (5) [سورة النازعات] فإنما يُدَبِّرُونَ في أمورٍ خَاصَّةٍ كالمطرِ والرِّيحِ والنباتِ وأشياءَ أُخْرَى ولَيْسَ في كلِّ شىءٍ، والتَّسْمِيَّةُ بالقَيُّومِ لا تجوزُ إلاَّ للهِ.
وَلْيُحْذَرْ مِنْ طَائِفةٍ تَنْتَسِبُ للتَّصَوفِ تُسمَّى الشاذليةَ اليَشْرُطِيَّةَ تقولُ القَيُّومُ معناهُ القائمُ فِينَا، فيقولُ أحدُهم للآخَرِ أنتَ اللهُ وهذا الجِدارُ اللهُ، فكُفْرُهُم هذا مِنْ أَشْنَعِ الكُفْرِ، وأَمَّا الشيخُ عليٌّ نُورُ الدِّينِ اليَشْرُطِيُّ الذي يَنْتَسِبُونَ إليهِ فهُوَ بَرِيءٌ مما يقولونَ بل هُوَ كانَ على التَّنْـزِيهِ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: خَالِقٌ بِلا حَاجةٍ.
الشرحُ أنه خَلَقَ العالَمَ وأَحْدَثَهُ مِنْ غيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ احتياجٌ إليهِ لجَلْبِ منفعةٍ لنفسِهِ أَوْ دَفْعِ مَضرَّةٍ عنْ نفسِهِ إنما خَلَقَهُ إظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: رَازِقٌ بِلا مُؤنَةٍ.
الشرحُ أنَّهُ تَعَالى يُوصِلُ إلى العِبادِ أرْزَاقَهُم منْ غيرِ أنْ تَلْحَقَهُ كُلْفةٌ ومشقَّةٌ وذلك لكمال قدرته، فاللهُ لا يفعلُ شيئًا بالمباشَرَةِ والحرَكَةِ بلْ بمجردِ تَعَلُّقِ إرادتهِ الأزليةِ وتكوينِهِ الأَزَليِّ يُوجَدُ الشَّىء.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ.
الشرحُ أنَّ اللهَ تعالى يُمِيتُ الأحياءَ مِنْ عبادِهِ بِلا مخَافةٍ أيْ لا لِخَوْفٍ منْ أنْ يلْحَقَهُ ضَرَرٌ إنما يُمِيتُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بمُقْتَضى حِكْمَتِهِ وإظْهارًا لكمالِ قُدْرتِهِ كما قالَ تعالى:﴿ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (15) [سورة الشمس].

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: بَاعِثٌ بلا مَشَقَّةٍ. الشرحُ أنَّ اللهَ تعالى يَبْعَثُ الأمواتَ بِلا مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ بلْ بمجردِ تَعَلُّقِ إرادتِه كما أنَّ تَكوينَهم كذلكَ، قالَ تَعالى تَنْبِيهًا لِذلكَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (28) [سورة لقمان].

قالَ المؤلِّفُ رحِمَهُ اللهُ: مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبلَ خلقِهِ لَمْ يَزْدَدْ بِكَونِهِمْ شَيئًا لَم يَكنْ قَبلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ وَكَما كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لا يَزَالُ عَلَيْها أَبَدِيًّا. الشرحُ أنه يجبُ للهِ تَعَالى القِدَمُ ووُجُوبُهُ بالشَّرْعِ والعقلِ فإنه لوْ لم يكنْ قَديمًا أي أزليًّا لكانَ حادِثًا ولو كانَ حادِثًا لاحتاجَ إلى مُحْدِثٍ وذلكَ يُنَافي الأُلُوهِيَّةَ، ثمَّ الحدوثُ مستحيلٌ عليهِ شرعًا أيضًا لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ (3) [سورة الحديد] أيِ الموجودُ الَّذي ليسَ له ابتداءٌ، فالأولُ في هذه الآيةِ الموْجُودُ الذي ليسَ لوجودِهِ ابتداءٌ لأنَّ الأوَّليَّةَ النِّسْبيةَ يَقْتَرِنُ بها الحدوثُ الذي هو مُستحيلٌ على اللهِ، فَلا مَعْنَى للأَوَّلِيَّةِ في حقِّ اللهِ إلا الأَولِيَّةُ المطلَقَةُ. ويَجبُ القِدمُ أيْضًا لِصفاتِهِ لأنَّهُ لوْ لم تَكُنْ صفاتُهُ أزليّةً بلْ كانتْ تحدُثُ في الذَّاتِ لَكانَ ذلكَ مُوجِبًا لحدُوثِ الذَّاتِ، فَتَغَيُّرُ الأَحْوالِ على الذَّاتِ هو أَكْبَرُ أدِلَّةِ الحُدُوثِ، فصِفاتهُ أزليّةٌ بأزليّةِ الذَّاتِ. فنَعْلَمُ مِنْ ذلكَ أنه لا يَطْرَأُ علَى اللهِ صِفةٌ لم تكنْ في الأزلِ، ولا يَتجدَّدُ للهِ عِلمٌ ولا إرادةٌ ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ.
ثم الصفاتُ الَّتي يجبُ لها القِدَم اختلَفَ فيها طائفةُ أهلِ السُّنَّةِ فمِنْهُمْ مَنْ قالَ صِفات الذات أزليةٌ وصفات الأفعال حادثة لأنها لا تقومُ بالذَّاتِ إنما هيَ ءاثارُ القدرةِ الأزليّةِ هؤلاءِ همُ الأشاعرةُ أيِ الطائفةُ المنسوبةُ إلى الإمامِ أبي الحسنِ الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُ، وليسَ ذلكَ قولَ جميعِ الأشاعرَةِ بلْ هو قولُ بعضِهِم، وغَلَبَ ذلكَ على أكثرِ الأشاعرةِ المتأَخِّرِينَ، أمَّا المتقدِّمونَ فكانَ كثيرٌ منْهم يقولُ بأزليّةِ صفاتِ الأفعالِ أيضاً. وصفاتُ الأفعالِ هِيَ إحْيَاؤُهُ لمنْ شَاءَ حياتَهُ منَ المخلوقاتِ وإماتَتُه لِمَنْ يُمِيتُهُ والإسْعادُ والإشْقاءُ وغيرُ ذلكَ مما لا يُحْصَى، ويُعَبَّرُ عنْ ذلكَ عندَ الماتريديَّةِ بالتكوينِ، والتَّكوينُ عندَهُم صفةٌ فِعل قديمة أزلية كصفات الذات. ولا يَلْزَمُ من قِدَمِ التَّكْوينِ قِدَمُ المُكَوَّنِ، قالُوا كما لا يَلْزَمُ مِن قِدَمِ القُدْرَةِ الإلهيَّةِ قِدَمُ المَقْدُورَاتِ، فهذا العَالَمُ مَقْدُوراتُ اللهِ أحدثَهُ اللهُ بقدرتِهِ الأزليّةِ، فالقُدْرةُ أزليةٌ ومتعلَّقُها وهو العالَمُ حادثٌ قالُوا كذلكَ التكوينُ أزليٌّ والمُكَوَّناتُ حادثَةٌ ويُعبَّرُ عنْ ذلكَ أيضًا بالفعلِ، فيُقالُ فِعلُ اللهِ أَزَلِيٌّ ومفعُولُهُ حادثٌ ، فإذا كان كذلكَ تَبَيَّنَ وظَهَرَ أنَّه تَبَاركَ وتعالى لم يَزْدَدْ بإحدَاثهِ الخَلْقَ صفةً حادثةً.
صفات الأفعال عند الماتريدية كصفات الذات في الأزلية، وحجتهم ظاهرة ما فيها إشكال، فإذا قيل أحيا الله كذا أو أمات كذا المعنى المقصود عندهم أن الله أحيا هذا المخلوق الجائز العقلي بصفته التي هي أزلية وهي صفة الإحياء، فالمـُحيا حادث أما إحياء الله له فهو أزلي، وكذلك يقال عندهم في إماتة الله لمن يميت من خلقه : إماتة الله لهذه الأشياء التي يميتها صفة أزلية أبدية له، لكن اتصاف هذه الأشياء بالموت هو المـُحدث وهذا لا إشكال فيه لمن فهم المعنى المقصود وهذا الأمر يَطَّرِد فيما أشبه ذلك. فإذا قيل الله تعالى أسعد السعداء من خلقه أو أشقى الأشقياءَ من خلقه فالإسعاد والإشقاء اللذان هما صفتان أزليتان لله من غير لزوم أزلية المـُشقَى أو المـُسعَدِ، فالعباد الذين يُشقيهم الله مُحْدَثون وشقاوتهم حادثة وكذلك العباد الذين أسعدهم الله تعالى هم مُحدَثون وسعادَتُهم حادثة، أما إشقاء الله للذين أشقاهم وإسعاد الذين أسعدهم فأزلي.
وهذا الاعتقاد كان هو اعتقادَ السلف ولو لم يُشهر هذا التعبير عنهم لكن المعنى كان موجودًا، وقد صَرَّح الإمام أبو حنيفة في بعض رسائله بأن فعلَ الله صفة له في الأزل ومفعولَه حادث وهو في النصف الأول من عصر السلف، فلا يقال لو كان هذا معتقد السلف كان يسمع من فلان وفلان من الصحابة ومن التابعين ومن أتباع التابعين. فلا يضرُّ مُثْبِتَ القِدَمِ لصفاتِ الأفعال عدمُ ظهور هذا التعبير عنهم أي القول بأن صفات الأفعال قديمة فاشتهار هذا ليس شرطًا في ثبوت اعتقاد السلف لذلك.
أما الأشاعرة أكثرهم يقولون يُحيى من شاء أي يُحدث فيه الحياة بقدرته، فالإحياء عندهم أثر القدرة ليس قائمًا بذات الله لذلك تجرأوا على قولهم الإحياء صفةُ فعلٍ حادثةٌ عندهم هكذا ليس قائمًا بذات الله، أما أن يعتقدوا أن إحياءه صفة قائمة به وحادث فليس من معتقدهم، فلا يلزمهم من ذلك أن يكونوا وصفوا الله بالحدوث ولا أن يكونوا نسبوا إليه صفة حادثة قائمة بذاته، وكذلك في الإماتة وكذلك في الإسعاد والإشقاء.
فبعد اتفاق الفريقين أنه لا يقوم بذات الله صفةٌ لم تكن له في الأزل ليس في اختلافهم هذا ما يضر في أصل الاعتقاد بل هذا اختلافٌ لفظي اختلافٌ في التعبير وكلا الفريقين على هدى، إنما الضرر الأعظم والكفر والإلحاد هو أن يقولَ القائل الله تعالى يقوم به صفة حادثة كابن تيمية.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: لَيسَ بَعدَ خَلقِ الخَلقِ استَفَادَ اسمَ الخَالِقِ، وَلا بإِحدَاثِهِ البرِيَّةَ استَفَادَ اسمَ البَارِئ.
الشرح أنَّه لم يَتجددْ للهِ تعالى صِفَةٌ بإحدَاثِهِ البَرِيَّةَ، والبريَّةُ الخلْقُ ، فهُوَ تباركَ وتعالى خَالِقٌ قبلَ حُدُوثِ الخلْقِ وبارِئٌ قبلَ حُدوثِ البريةِ كما أنه قادرٌ قبلَ وجُودِ المقْدُورَاتِ أيِ العالَمِ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: لَهُ مَعنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلا مَربُوبَ وَمَعنَى الخَالِقِ وَلا مَخلُوقَ.
الشرحُ أنَّ اللهَ تعالى كانَ مُتَّصِفًا بالخالقيّةِ والرُّبُوبِيَّةِ قبلَ وجودِ المخلوقينَ والمرْبُوبِينَ. نحنُ العالَمُ مربوبُونَ للهِ أيْ مخلُوقُونَ لَهُ فَقَبْلَ وجُودِنا كانَ تَعالى مُتَّصِفًا بالرُّبُوبِيّةِ وبصفةِ الخالِقِيَّةِ لم تَحْدُثْ لَهُ صفةُ الربوبيّةِ بوجودِنا ولا الخالِقيّةِ بوجودِ المخلوقينَ .

قال المؤلف رحِمَه اللهُ: وَكَمَا أَنَّهُ مُحيِي المَوتَى بَعدَمَا أَحيَا استَحَقَّ هذا الاسمَ قَبلَ إحيائِهِم.
الشرحُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى كانَ متَّصِفًا بالإحياءِ قبلَ حدوثِ الخلقِ ثم أَجرَى عليهِمُ الحياةَ التي هي حادثةٌ، وكذلكَ يُقالُ في كونِه تعالى مُمِيتًا أي أنه تباركَ وتعالى كانَ مُحْيِيَ الموتى في الأزلِ قبلَ حدوثِ الموتى، وحدوثُ الموتى لا ينافي قِدَمَ إماتتِه لهم، وكذلك إحياءُ العبادِ الذينَ أجرى عليهِم صفةَ الحياةِ الحادثةَ لا يَقتضي حدوثَ كونِه مُحْيِيًا لهم.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: كَذَلِكَ استَحَقَّ اسمَ الخَالِقِ قَبلَ إِنشَائِهِم.
الشرحُ أنه مستحقٌّ للاتِّصافِ بمعنى الخالقِ قبلَ إنشاءِ الخلقِ، والمرادُ بالإنشاءِ هنا أثرُه لأنَّ الإنشاءَ إذا أُريدَ بهِ صفةُ اللهِ فهوَ مِنَ الصِّفاتِ الأزليّةِ.
وأزليّةُ خَالِقِيَّتِهِ ورُبوبيَّتِهِ يَستلزمُ أنْ لا يَحدُثَ لهُ بإنشاءِ الخلقِ صفةٌ حادثةٌ وهو بصفتِه الأزليّةِ أنشأَ ما أنشأَ منَ المحدَثاتِ، فثُبوتُ قدرتِه على كلِّ شىءٍ يُفهمُ منه حدوثُ مُنشَآتِه ومخلوقاتِه وأزليةُ إحيائِه وإماتَتِه لِمَا أحياهُ وأماتَه منَ المخلوقاتِ، هذا الحكمُ ينطبقُ على الإجمالِ وعلى التفصيلِ، فإذا قُلنا أنشأَ اللهُ تعالى المحدَثاتِ التي شاءَ لها الحياةَ بإحداثِه الأزليِّ وإحيائِه الأزليِّ فهو كقولِنا عندَ التفصيلِ أَحْيَا اللهُ تعالى فلانًا بصفةِ الإحياءِ التي هي ثابتةٌ لهُ في الأزلِ. وهذا المذهبُ الذي قرَّرْنَا والذي هو مذهبُ السلفِ أنسبُ وأقوى لإبطالِ القولِ بحوادثَ لا أولَ لها لأنَّه عليهِ فعلُهُ للحوادثِ أزليٌّ فلا يتوهم أحدٌ أنه يَحتاجُ إلى فعلٍ ءاخَرَ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَىءٍ إلَيهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمرٍ عَلَيهِ يَسِيرٌ لا يَحتَاجُ إلى شَىءٍ ، لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
الشرحُ قولُه: "ذلكَ" إشارةٌ إلى جميعِ ما تقَدَّمَ مِمَّا ذُكرَ مِنْ صفاتِه ، واللهُ تعالى قدرتُه مؤثِّرةٌ في كلِّ شىءٍ أيْ في كلِّ ما يَقبلُ الدخولَ في الوجودِ، وكلُّ ما هو كذلك فهو فقيرٌ إليه أي محتاجٌ إليه في وجوده وبقائه، وكلُّ ما هو كذلكَ فهو عليهِ يسيرٌ ولا يلحقه في إيجاده مشقة، والمرادُ بنفيِ المماثلةِ عنِ اللهِ تعالى نَفْيُ المماثلةِ منْ جميعِ الوجوهِ والمماثلة منْ وجهٍ واحدٍ فكلُّ ذلك مستحيلٌ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: خَلَقَ الخَلقَ بِعِلْمِهِ وَقَدَّرَ لَهُم أَقدَارًا وضَرَبَ لَهُم ءاجالا ولَم يَخفَ عَلَيهِ شَىءٌ قَبْلَ أَن يَخْلُقَهُم وَعَلِمَ مَا هُم عَامِلُونَ قَبلَ أَنْ يَخلُقَهُم.
الشرحُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خلَقَ الخلْقَ على حسَبِ عِلْمِه الأزليِّ وتقديرِه الأزليِّ ، وقَدَّرَ سبحانَه مقاديرَ الخلقِ منَ الخيرِ والشَّرِّ والطَّاعةِ والمعصيةِ والرِّزقِ والسَّعادةِ والشَّقاوةِ ونحوِ ذلكَ، وقدَّرَ ءاجالَ الخلائقِ ولم يَخْفَ عليه شىءٌ مما حَدثَ ومما يحدُثُ إلى ما لا نهايةَ لهُ ، فالمخلوقاتُ التي خلقَها فدخلَتْ في الوجودِ والتي ستُخلَقُ ولم تدخلْ في الوجودِ بعدُ كلٌّ عَلِمَهُ بعِلمِه الأزليِّ الذي هو عِلْمٌ واحدٌ شاملٌ يتعلقُ بسائرِ المُمْكِناتِ العقليةِ وبالواجبِ العقليِّ وبالمستحيلِ العقليِّ ، به هو عالمُ كلِّ ما حدَثَ وكلِّ ما سيحدُثُ إجمالاً وتفصيلاً ولا يلزمُ منْ ذلك تغيُّرُ العِلْمِ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُم عَن مَعصِيَتِهِ.
الشرحُ أنَّ اللهَ تعالى أمرَ العبادَ بالطاعةِ ونهاهُم عنِ المعصيةِ تحقيقًا لمعنى الابتلاءِ لأن أوامرَ الله تعالى ونواهيه لابتلاء العباد واختبارهم ليُظهر المطيع من العاصي على حسب ما سبق به علمه ويتحققَ منهم ما خُلقوا له من العبادة قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (56) [سورة الذاريات] أيْ لآمرَهُم بعبادتِي وأنهاهُم عن معصيتِي.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَكُلُّ شَىءٍ يَجرِي بِتَقدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
الشرحُ شرعَ المؤلِّفُ هنا بشرحِ المشيئةِ التي هي إحدى الصِّفاتِ الأزليّةِ التي معرفتُها لها أهميةٌ كبيرةٌ في أصولِ الدِّينِ، وتفسيرُها تخصيصُ الْمُمْكِنِ العقليِّ ببعضِ ما يجوزُ عليهِ دونَ بعضٍ، فالشرُّ الذي دخلَ في الوجودِ بتخصيصِ اللهِ تعالى دخلَ وفي العقلِ كان جائزًا أنْ يَبقى في العدمِ وإنما اللهُ تعالى أخرجَه منَ العدمِ لِتعلُّقِ مشيئتِه الأزليةِ في وجودِه فدَخلَ في الوجودِ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَمَشِيئَتُهُ تَنفُذُ لا مشيئةَ للعبادِ إلا ما شَاء لَهُم فَمَا شَاء لَهُم كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَمْ يَكُن.
الشرحُ يُعلَمُ منْ ذلك أنه لا مشيئةَ للعبادِ إلا ما شاءَ لهم، والمعنى أنَّ مشيئةَ العبادِ منْ جملةِ الحادثاتِ فلا تحدُث إلا بمشيئتِه فلا مشيئةَ للعبادِ إلا أنْ يشاءَ دخولَها في الوجودِ، فمشيئتُنا حادثةٌ لَم تحدُثْ إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى في الأزلِ حدوثَها، وقبلَ أنْ تحدُثَ مشيئتُنا شاءَ اللهُ في الأزلِ حدوثَها، أما أنْ يشاءَ العبادُ شيئًا لم يشأِ اللهُ تعالى في الأزلِ حدوثَه فلا يكونُ ذلكَ بَلْ هو مستحيلٌ، والدليلُ السمعيُّ على ذلكَ قولُه تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ﴾ (29) [سورة التكوير].

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: يَهدي مَن يَشَاءُ وَيَعصِمُ ويُعَافي فَضلاً ، وَيُضِلُّ مَن يشاءُ وَيَخذُلُ وَيَبتَلي عَدلاً.
الشرحُ أنَّ اللهَ يخلقُ الاهتداءَ فيمَنْ يشاءُ مِنْ عبادِه بفضلِه وكرمِه76، هو هداهُم فضلاً منهُ وكرَمًا، فلو لم يخلقْ فيهِمُ الاهتداءَ لم يكنْ هو ظالِمًا لأنه لا يجبُ عليهِ شىءٌ فلا حاكمَ لهُ وليسَ لهُ ءَامرٌ ولا ناهٍ ، لم يخلقْ سبحانَه في الكفارِ الاهتداءَ فخَذلَهُم عدلاً منهُ أي ليس ظُلمًا منهُ لأنَّ الظلمَ لا يُتصورُ منهُ لأنهُ لا يَتصرفُ إلاَّ فيما هوَ مِلكٌ لهُ حقيقةً وليسَ مِلكُه مجازيًّا عقلاً كَمِلْكِنا، وأمَّا مِلكُنا فإنه مِلكٌ مجازيٌ عقلاً لأنَّ العبادَ وما يملِكونَ كلٌّ مِلكٌ للهِ تعالى لا فرقَ بينَكَ وبينَ ما تملِكُهُ بالنظرِ إلى كونِ كلٍّ مِلكًا للهِ تعالى، أنتَ خَلَقَكَ وأحدثَكَ منَ العدمِ وكذلكَ ما تملِكُه هو خَلَقَهُ وأحدَثَهُ منَ العدمِ فله سبحانَه الحاكميةُ على العبادِ فَمَا مَنَعَهُم ونهَاهُم عنه فعليهِم أنْ يَنتهُوا عنهُ فإنْ لم يَنتهُوا تَوجَّهَ اللَّوْمُ عليهِم واستحقُّوا العقوبةَ والعذابَ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَكُلُّهُمْ يَتقلَّبونَ في مَشِيئتِهِ بَينَ فَضلِهِ وَعَدلِهِ.
الشرحُ أنَّ العبادَ يَتصرفونَ بمشيئةِ اللهِ تباركَ وتعالى، فإنْ تَصرَّفُوا بالخيرِ فبفضلِ اللهِ تعالى وإنْ تَصرَّفُوا في المعاصي والشرورِ فبعدلِ اللهِ تباركَ وتعالى، وهذا فيهِ إبطالُ ما ذَهبتْ إليهِ المعتزلةُ منْ أنَّ العبادَ تَصرُّفُهم في الشرِّ ليسَ بإرادةِ اللهِ أما تَصرُّفُهم في الخيرِ فبإرادةِ اللهِ، فهذه التفرقةُ باطلةٌ والحقُّ خلافُ ذلكَ فالعبادُ مَهْمَا فَعلُوا منْ فعلٍ خيرًا كانَ أو شرًّا فبمشيئةِ اللهِ، وفي ذلكَ بيانُ أنه ليسَ واجِبًا على اللهِ أنْ يفعلَ لعبادِه ما فيه صلاحُهُم أوْ ما هو أصلحُ لهم.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَهُوَ مُتَعَالٍ عنِ الأَضدادِ وَالأندادِ.
الشرحُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى مُنَزَّهٌ عنْ أنْ يكونَ لهُ أندادٌ أي أمثالٌ وأضدادٌ أي مضادونَ له، ومعنى المُضَادِّ مَنْ يَتصرفُ تصرفًا يريدُ أنْ يغلِبَ اللهَ بهِ على زعمِه فاللهُ تبارك وتعالى ليسَ له مغالبٌ لأنَّ كلَّ شىءٍ في قَبضتِه وكلَّ شىءٍ مِلكُه، فلا يكونُ له أضدادٌ أي يَتصرفونَ على خلافِ إرادتِه. والأندادُ جمعُ نِدٍّ وهو المِثْلُ، والأضدادُ جمعُ ضدٍّ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: لا رَادَّ لِقَضَائِهِ.
الشرحُ أنه لا أحدَ يردُّ قضاءَ اللهِ تباركَ وتعالى، والقضاءُ هو على قولِ بعضِ الفقهاءِ منْ أهلِ السنةِ إرادةُ اللهِ المتعلِّقةُ بالحادثاتِ، وهو عندَ بعضِهِم خلقُ اللهِ للأشياءِ أيْ إبرازُه إيَّاها منَ العدمِ قالَ تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ (12) [سورة فصلت]، فالتفسيرُ الأولُ للقضاءِ هو مشهورٌ عندَ الأشاعرةِ، قالَ قائلُهُم: [الرجز]
إرادةُ اللهِ مـَعَ الـتَّـعـلُّـقِ ***** فـي أزلٍ قـضـاؤُه فـحَـقّـقِ

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: وَلا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ وَلا غَالِبَ لأمرِهِ.
الشرحُ أنهْ لا معقِّب لحكمِ اللهِ تباركَ وتعالى أي لا أحد يجعلُه باطلاً هذا إنْ أُريدَ بالحُكْمِ الخطابُ التكليفيُ للعبادِ فهذا تفسيرُه ، وإنْ أُريدَ بالحُكْمِ الحُكْمُ التكوينيُّ كان المعنى أنه لا أحد يستطيعُ أنْ يمنعَ نفاذَ إرادةِ اللهِ فمَا أرادَه تمَّ لا محالةَ أيْ نَفَذَ وقولُه: "ولا غالِبَ لأَمْرِه" أي لا يَغلِبُ أمرَ اللهِ غالبٌ.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَه اللهُ: ءامَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ وَأَيقَنَّا أَنَّ كُلاً مِنْ عِندِهِ.
الشرحُ أننا صدقْنا وأيقنَّا أنَّ كُلاً من عندِه، أيْ أنَّ كلَّ شىءٍ دخلَ في الوجودِ فإنما حصلَ بعلمِ اللهِ الأزليِّ وتقديرِه وقضائِه.

 

 

الدرة البهية
harariyy.org

قائمة الدرة البهية